كيف يبني الكتّاب العراقيون شخصياتهم الروائيَّة؟/2

 

صفاء ذياب

 

تمرير الرؤى

ويرى الروائي الدكتور ميثم هاشم طاهر أنَّ للمؤلف، نظراً للطبيعة الاستعابية للروايّة، أن يستدعي شخصيات واقعيّة، ويستمدّها من عالمه المرجعيّ ليعيد إنتاجها في التخييل؛ لأسباب متعدّدة، لعلَّ أهمّها: بناء محكيّه الروائيّ على توليف قصص واقعيّة تفاعل معها المؤلف، بوصفها جزءاً من محيطه، فبعض الشخصيات تكمن في ذات المؤلف مثل أطياف حبيسة تتوق إلى أن تستظهرها رواية، حتَّى ولو كانت في محكيّ خوارقيّ. كما قد يستقي المؤلّف من “ذاته” عينها؛ لا لشحٍّ في خياله، إنّما لحاجته إلى تمرير رؤاه، من خلال ما يسمّيها (الشخصيّة الطرازيّة): أي خلق شخصية على طراز مؤلفها أفكاراً وهموماً، واستلهاماً لبعض تجاربه، بل ثمّة أنواع روائيّة تكون (الشخصية المرجعية الواقعيّة) دعامتها الأساسيّة، كالرواية السيريّة التي يقدّم المؤلف “حياته” محكيّاً، و”أناه/ هو نفسه” شخصيّةً أساسيةً، ويشكّلهما من خلال التخييل، مثل ذلك نجده في الرواية التاريخية، إذ تكون شخصياتها واقعية/ مرجعيّة، أعيد إنتاجها من خلال التخييل أيضاً.إيقاع الحياة العراقية

ويتساءل الروائي أسعد الهلالي: ألا ترون أنَّ الواقع أكثر غرابة من الخيال أحيانا؟ أليس ثمّة واقع سريالي، وآخر فنتازي، فالكتابة عن واقع كهذا، هل يختلف عن الواقع المجرّد بشيء؟

مضيفاً: الشخصيات المتخيّلة تحمل سمات واقعية في الأحوال كلّها لأنَّها نتاج إبداع مؤلّفها، والمؤلّف ليس مصوّراً فوتوغرافياً بالضرورة، ينقل السمات السائدة والظاهرة للشخصية، أو يتعاطى مع حكاياتها وفقما يراها أو يسمعها، ولا يظنُّ الهلالي أنَّ كاتباً حتَّى أولئك الذين يستمدّون قصصهم وشخصياتهم من الواقع ينقلون بفوتوغرافية، فما دام المؤلّف يحمل في داخله خليطاً من عصارة قراءاته ومشاهداته وتجاربه وسنوات عمره المتخمة بالأحداث والتقلّبات، لاسيّما في بلد مثل بلدنا العراق الذي لا يكاد يمر يوم من دون أن يفاجئنا جديد، حتَّى إيقاع الحياة والأحداث في العراق يختلف كثيراً عن مثيلاته في بلدان أخرى، و”من تجربتي الشخصية في رواياتي، استفدت كثيراً من شخصيات واقعية أو تجارب شخصية جعلتها ركائز لأحداث ما أروي، لكنّني اضطررت إلى إعمال العقل والحسّاسية الشعرية أحيانا لأصنع علاقات وروابط بين الشخصيات أو لصياغة حدث ما بشيء من الإثارة التي أفترض أنَّ القارئ يحتاج إليها كي يواصل قراءة الصفحات بانجذاب يسعى إليه الكاتب”. فالشخصيات الواقعية هي الأقرب للتناول، وهي الأكثر صدقاً، لاسيّما أنَّ الاقتناص الذكي من قبل الكاتب للشخصية بِسِماتِها الخارجية أو الداخلية، وما تعيشه من أحداث وعلائق مثيرة وغنيّة، يجعل من بناء الرواية أكثر سهولة ويسر.. وتصبح الشخصيات المتخيّلة بشكل أصيل أقل إثارة ورغبة للتعاطي معها..

الواقعي والمتخيّل

ويشير القاص والروائي ضاري الغضبان إلى أنَّ السرد عموماً هو إعادة قراءة الواقع، كما أنَّ المستهدف- المتلقي- هو المعني الأوّل بتلقي آراء وأهداف الروائي من خلال السرد، وعليه فإنَّ شخصيات الروائي تكون أكثر تأثيراً في ما لو أحسَّ بها القارئ، بمعنى أن تكون قريبة من هواجسه ورؤاه…

ومن ثمَّ أنَّ المُتخيَّل- كشخص أو شخوص- في الرواية، عندما يخرج عن سياق الواقع؛ يُشعر المتلقي أحياناً بعدم التناغم مع الطرح، لا سيَّما حين يكون المتخيَّل غارقاً بالجنوح والفرضيات التي لا تنسجم مع تجارب الحياة لأيِّ مجتمع…

والرواية كفن كتابي أصبحت تعبّر عن تجارب الأشخاص والشعوب، وتوثّق للتحوّلات الاجتماعية والاقتصادية… وحتَّى السياسية منها، كما تعبّر بشكل أو آخر عن الميول الإنسانية والعاطفية، ولنا في الواقعية السحرية للأدبين الألماني والأمريكي اللاتيني خير مثال، صحيح هنا يختلط الواقع بالمتخيّل، غير أنَّه يسند لطرح آمال وآلام مجتمعية وطرحها برمزية تنسند للبيئة والحدث الحقيقي للواقع وتعبّر عن رؤاه…كما يجب ألَّا ننسى اهتمام جمهور القرّاء بشكل كبير بكتب السيّر الذاتية وهي نقل واقع لا غير، وفيها يجد القارئ تلك التجارب عبارة عن سرد غير مصطنع.

تناص الشخصيات

ويشكك الروائي علي الحديثي بطبيعة تساؤلنا، مفترضاً من خلال قراءته قولنا إنَّ (عمل الروائي إنتاج شخصيات متخيّلة)، وعلى الرغم من اقترابه من فهم تساؤلنا، غير أنّه يجيب بأنَّ العمل الروائي ليس محدّداً بطبيعة الشخصيات التي يتناولها في روايته، سواء كانت متخيّلة أو واقعية، إلّا أنّ الشخصية الواقعية- وهي الشخصية الأغلب جدّاً في الروايات- هي الأكثر تأثيراً في القارئ إيجاباً أو سلباً، فضلاً عن أنّها أكثر إقناعاً في إيصال الفكرة التي يريد الروائي إيصالها، هذا من جانب، وهو الجانب المتعلّق بالقارئ..ومن جانب آخر، وهو المتعلّق بالروائي، فالشخصية الواقعية أشبه بخريطة بيت جاهزة، يقوم الروائي بإجراء بعض التعديلات عليها بما يناسب روايته، يعني هي خامة جاهزة له، وبالتأكيد هذه الطريقة أكثر سهولة من رسم خريطة جديدة (خلق شخصية جديدة متخيّلة)، برغم قناعتي بأنّه لا توجد شخصية متخيّلة بحت إلَّا في القليل النادر، الخرائط مستعملة كلّها، وعمل الروائي فيها كما قلت تحويرها بما يناسب فكرته، وهنا سيتجلّى إبداع المبدع في أسلوبه وصياغته، وفي الزاوية التي يتناول بها تلك الشخصية، وهل تناول الأدب الكلاسيكي الذي تعلّمنا منها، ونشأنا بين سطوره، وارتوينا من سرده، إلَّا الشخصيات الواقعية، ومن يطّلع على سيرهم الشخصية، وعلى رواياتهم، فسيجد مدى التناصّ الكبير بينهما.

قد يعجبك ايضا