د . صباح ايليا القس
بعد ان تحررت قصيدة النثر من متلطبات الوزن والقافية التي عرفها الشعر العربي القديم من العصر الجاهلي حتى العصر الحديث باستثناء ما جاء به الشعر الاندلسي من تجديد لسنا بصدده الان صارت واقعا مفروضا ومشروطا بسبب كثرة من التزموا باشتراطاتها لا سيما انها عالجت واقعا سياسيا مضطربا عاشه العراق في تلك الحقبة من الزمن ..
لم تكن قصيدة النثر ثورة جديدة على الحركة الشعرية العربية التقليدية بل انها جاءت بمفاهيم جديدة ووسائل لغوية وعصرية تتواءم مع معطيات العصر وجعلوا مقياس النجاح هو التطور والابداع والتخلص من القوالب الوزنية والتعبيرية والاساليب البلاغية المكررة فضلا على القوافي والتراكيب الجاهزة والصور المكررة ..
قصيدة المثر عدها بعض النقاد تجاوزا على التراث العربي برمته بل جعلها بعضهم احدى صرعات العصر وانها ستزول بزوال العارض المفاجئ كما تزول صرعات الملابس وقصات الشعر , غير ناسين ما حصل لبعضهم من التباس بشأن اسم قصيدة النثر لالتباس المصطلح بين الشعر والنثر وعدم القدرة على فهم امكانية التزاوج بين هذين الفنين المختلفين بحسب التقاليد الموروثة ..
حتى ان بعضهم جعلها من نتاج الفكر الغربي المتزامن مع ترجمة اشعار شعراء من الانكليز والفرنسيين وغيرهم .
لم يستطع النقاد التراثيون استيعاب الاجتهاد الفكري الشبابي ومشروعهم النهضوي المواكب للنشاط الانساني والمتفاعل مع الحركات الثورية المعاصرة وان الشباب تأثروا واطلعوا على ما عند الاخرين واستوعبوا واقعهم بحيث ركزوا على الشعرية الداخلية التي يحتملها النثر بروح الشعر وهذا الامر ليس سهلا على نقاد جعلوا حياتهم وقفا على التراث غير عابئين بالمستجدات والتطورات الانسانية في العالم كله .
قصيدة النثر هي ايجاز واختزال بحيث لا تجد في قصيدة النثر المطولات الشعرية التي كان يتباهى بها القدماء .. جيل قصيدة النثر جاء بمعايير جديدة غير معروفة سابقا وان النثر قادر على استيعاب الدفقات الشعرية واذا كان هناك من جعل من قصيدة النثر فرصة للهذيان والتباهي فان هناك شعراء كان لهم دورهم الرائد في العراق وغيره من الاقطار لا سيما في سوريا ولبنان اذ ابدعوا بقصائدهم وسجلوا حضورهم في تاريخ الشعرية العربية .
الموسيقى الداخلية التي راهن عليها شعراء قصيدة النثر ليست هي تابعة لاوزان الخليلي بل هي اوزان تلائم طبيعة الافكار والبنيان الذي يسعى اليه الشاعر وليست هناك قاعدة يلتزم بها شعراء قصيدة النثر لتحديد نوع الموسيقى الداخلية .. فضلا على الصياغات الخاصة والنسيج الشعري المتميز الذي يعطي الملامح والاشارات والتعابير التي توحي الى مضمون او مضامين تختزل المعنى وتكثف المبنى ولم يعد الشاعر هنا يبحث عن البهرجة الشكلية في التلقي بل ان جل اهتمامه ينحصر في تركيز المعنى في حيِّز من الالفاظ اذ تأخذ الالفاظ دورها في استيعاب الحمولات المعنوية التي من المحتمل ان تتضمن افكاراً متعددة بحسب طاقات التأويل والاكتشاف والحفريات النصية ولا بأس من اجتهادات التفكيك بحسب قدرة القارئ على الاستبطان والتحليل .
نعم لقصيدة النثر موسيقاها الخاصة التي لا تخضع للتدوين بل للتناغم بين الحروف احيانا وبين الكلمات احيانا اخرى ويخطئ من يتصور ان قصيدة النثر خالية من الموسيقى لان موسيقاها خاصة ربما تنسجم مع المحتوى وطبيعة النص .
بقي ان نقول ان قصيدة النثر لا تتواءم مع القصيدة العمودية وطريقة الالقاء المسرحي التي تخاطب الحواس قبل العقل في حال ان قصيدة النثر تخاطب العقل قبل العاطفة والحواس .