مخاطر تعريب كوردستان

 

غفور مخموري*

 

الجزء الثالث

2- اللغة/ اللغة الكوردية وهي الخاصية الأخرى لشعبنا بدأت أيضاً تواجه حملات مستمرة. ومنذ القدم سعى العرب العنصريون لإزالة وتهميش وطمس وتشويه اللغة والثقافة الكوردية، وتكريس وفرض اللغة العربية(223) وما يتعلق بها من الأوجه الثقافية والأدبية على الكورد  شفاهاً وكتابة وتلقيناً. فمنذ إنتهاء معركة القادسية عام 640م بدأ العرب بالسيطرة على أرض كوردستان وحاولت القوى العربية المتسلطة بالسعي الى التعريب بأشكال وأنماط ثقافية شتى. ولكن اللغة والثقافة الكوردية ظلت راسخة رسوخ جذورها في أرض كوردستان ووجدان شعبها الكوردي. وأستمرت بالأنتشار على يد المثقفين والكتاب الكورد. لأن لغة أية أمة تلد مع مولد هذه الأمة(224).

مع تأسيس الكيان العراقي سعت السلطات العربية العراقية لأزالة اللغة الكوردية ومنع التربية والتعليم بها. حيث تم تعيين شخص عربي عنصري أسمه (ساطع الحصري) كمدير عام للمعارف وقد بقى في منصبه هذا من 17 كانون الثاني 1923 وحتى تموز 1927. لقد كان ساطع الحصري عربياً متعصباً يرى (ان اللغة العربية هي من أهم مقومات الترابط بين الدول العربية كان يؤمن بأن كل من يتكلم العربية فهو (عربي) بغض النظر عن أصله وقوميته وتأريخه ودينه)(225). وفي سبيل ذلك سعى لنشر اللغة العربية وفرضها على الكورد ومنع تدريس اللغة الكوردية حتى تنطمس ولكي يضطر الكورد للتكلم والتعلم باللغة العربية وبالتالي القضاء على اللغة الكوردية وإنهاء وجودها.

 

ومن الطبيعي أن كل لغة لايمكن الكلام أو الكتابة أو القراءة والتعليم بها تتعرض الى النسيان وتزول تدريجياً. وفي العهد الجمهوري قامت السلطات الحكومية بأصدار أمر وزاري (الى مديرية معارف كركوك بتعيين جميع خريجي دور المعلمين والمعلمات من الكورد في السليمانية وليس في كركوك)(226) (أنظر الوثيقة رقم 70) لقد كان الهدف من نقل المعلمين الكورد من محافظة كركوك هو إلغاء التعليم باللغة الكوردية في هذه المحافظة.

بالرغم من أن الفقرة (ب) من المادة (7) من الدستور المؤقت العراقي كانت تنص على (تكون اللغة الكوردية لغة رسمية بجانب اللغة العربية في المناطق الكوردية(227). ولكن العمل بهذا النص كان شبه معدوم.

النظام العراقي وخاصة النظام البعثي في نفس الوقت الذي كان فيه يحاول الحط من اللغة الكوردية سعى لنشر أفكاره ومبادئه العنصرية العربية عن طريق أيصال هذه الأفكار للكورد وباللغة الكوردية.

وفي خطوة للتهميش والتسريع في القضاء على اللغة الكوردية أصدر ماكان يسمى بـ(مجلس قيادة الثورة في العراق) قراره المرقم 632 في 7/10/1989 حيث أعتبر عدم النجاح في درس اللغة الكوردية عدم رسوب للطلبة لذلك فأن الإهتمام والعناية بتدريس هذه اللغة قد أنعدمت والغاية المرجوة منها أنتفت. حيث أعتبرت اللغة الكوردية لغة غير مهمة وغير رسمية.

 

وقد شمل هذا الأمر جميع المدارس التي كان يتم التعليم فيها باللغة الكوردية وفي الفقرة الثانية من القرار المذكور أعتبر هذا القرار قراراً ملزماً وغير قابل للمناقشة والتأويل (لايجوز العمل بأي نص يتعارض مع هذا القرار)(228) واذا كانت اللغة الكوردية قد أعتبرت لغة تعليم في العراق في بعض الأحيان فأنه كان ترجمة للمناهج التعليمية العربية ولم يكن فيها أي شيء من ثقافة وتراث وأدب الكورد ولم تكن منسجمة وملائمة لطبيعة وعادات وتقاليد المجتمع الكوردي. فعلي سبيل المثال فأنه في درس التأريخ كان الأهتمام ينصب على تأريخ العرب ودولهم وفي الجغرافية كان الإهتمام ينصب بجغرافية الوطن العربي والدول العربية. وفي الدروس الأخرى كان الأمر كذلك حيث كانت جميعها في خانة الأهتمام بكل مايمت للعرب والعروبة بصلة. كان الأمر كله يرمي الى أن يؤمن الكورد ويترسخ في عقولهم أن العراق هو وطنهم وبالتالي لأن العراق جزء من الوطن العربي (في مفهومهم) فأن الكورد وكوردستان هم جزء من الوطن العربي والأمة العربية، وأن يترسخ في وجدانهم تاريخ وحضارة وتمدن العرب وان لايعرفوا أي شيء عن تأريخهم وجغرافيتهم وحضارتهم وعاداتهم… الخ. ولكي لايحس الفرد الكوردي أن كوردستان هي وطنه وان جزءاً منه الصق عنوة بالعراق وأحتل من قبل العرب.

 

وفي مرات عديدة سعى النظام للقضاء على اللغة الكوردية والتعليم بها والثقافة الكوردية حيث عمد الى إغلاق المدارس الكوردية. وفي العام الدراسي (2000-2001) الغى نهائياً تدريس اللغة الكوردية في جميع المناطق الكوردستانية التي ظلت تحت سيطرته بعد أنتفاضة شعبنا في ربيع عام 1991 مثل كركوك وسنجار ومخمور وزمار وقراج ومندلي وخانقين… الخ. وتم فرض اللغة العربية حصراً ليتعلم بها الكورد.

 

بهذه السياسة الجائرة أراد ويريد النظام العراقي نشر وفرض اللغة والثقافة العربية على الكورد وطمس لغتهم وثقافتهم القومية. ولو دققنا النظر الآن نرى تأثيرات الفكر واللغة والثقافة العربية بادية على نتاجات المثقفين والكتاب الكورد في جنوب كوردستان وينصرف نفس الأمر الى غرب كوردستان. فالأمة السائدة تسعى دوماً لفرض لغتها وثقافتها على الأمم المسودة. نفس الأمر نراه في شمال كوردستان، حيث تسعى سلطات النظام التركي لنشر وفرض اللغة والثقافة التركية على الكورد وفي شرق كوردستان تسعى سلطات النظام الأيراني لفرض ونشر اللغة والثقافة الفارسية على الكورد.

 

هكذا أستطاع محتلو كوردستان فرض ثلاث لغات وثلاث ثقافات مختلفة على الكورد. وفي كل من ايران وتركيا فأن التعليم باللغة الكوردية ممنوع منعاً باتا ولايسمح للكورد بالتعليم بلغتهم مما أضطر الكورد الى تعلم لغة المحتلين والقراءة والكتابة بها. (ان الكورد مضطرون لأستخدام لغة السلطات المفروضة عليهم في أعمالهم الرسمية)(229).

 

النظام العراقي يحاول تطويق وتهميش اللغة الكوردية تمهيداً لمنعها وفي سوريا فأن النظام السوري لا يسمح بالكتابة والقراءة باللغة الكوردية مطلقاً. ولغة التعليم والعمل رسمياً هي اللغة العربية حيث ثبت الدستور ذلك ففي المادة (4) من هذا الدستور (اللغة العربية هي اللغة الرسمية)(130). العنصرية العربية تعرف تماماً بأنهم لو سمحوا بالتعليم باللغة الكوردية فأن هذه اللغة سوف تتطور وتتقدم وتحافظ على خصائصها ولهذا فأن محاولاتها تنصب دوماً على منعها ووضع العراقيل أمامها واللغة هي من العوامل المهمة للتفاهم والتواصل. وأن التعليم والكتابة أداة للتفكير والفكر من المباديء الأساسية لأية أمة.

 

وبالرغم من كل محاولات المنع ومحاولة مصادرة الفكر الكوردي فأن اللغة الكوردية وقفت ضد محاولات المحتلين فأن المثقفين والكتاب الكورد ظلوا مستمرين في تطوير وأزدهار هذه اللغة ومحاولة أغنائها بالمفردات والمصطلحات التي تلائم التقدم العلمي في العصر الراهن. لهذا يتأكد لنا جميعاً أن لمؤامرات تعريب كوردستان مخاطر كبيرة على تقديم اللغة الكوردية والتعريب يهدف ضمن أهدافه الرئيسية للقضاء على لغتنا القومية وثقافتنا.

 

* السكرتير العام للاتحاد القومي الديمقراطي الكوردستاني YNDK

قد يعجبك ايضا