د . صباح ايليا القس
اللفظ كما جاء في شرح ابن عقيل هو كل ما يخر ج من الفم حتى النواة التي تخرج من الفم تعد من الالفاظ , ولكن المقصود هنا اللفظ المفيد الذي له معنى كما جاء في شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك في تعريف الكلام يقول :
كلامُنــا لفــــــــــظٌ جميـــلٌ كاستقـــــمْ إســـمٌ وفعـــلٌ ثم حـــــــرفٌ الكلــــــمْ
و ( كلامنا ) هنا تعني كلام العرب لان حرف التملك ( نا ) هنا يقصد جماعة المتكلمين العرب , ومكونات الكلام هي الالفاظ الجميلة مثل قولنا ( استقم ) اما الملفوظات الاخرى التي يقذفها الفم واللسان فليست من الكلام في شيء ( واستقمْ ) هنا هي جملة متكاملة المعنى لان فيها فعل الامر والفاعل هو الضمير المستتر الذي هو أنت فتكون الجملة الفعلية هنا كاملة المعنى الا اذا كان الفعل متعديا الى مفعول به ولكن الفعل هنا لازم اكتفى بالفاعل وتم المعنى .
وفي الشطر الثاني يحدد المؤلف اقسام الكلام وهي الاسم والفعل والحرف وليس هناك ما يضاف الى هذا الثلاثي ومعنى هذا اذا تفحصنا اللغة العربية فاننا لا نجد في كلامنا ما يخرج عن هذا الثلاثي ..
الالفاظ هي التي تحمل المعاني لتوصلها الى المقصود , ولكنها بمفردها تكون ناقصة .. على أن هناك من الادباء من يعتني باللفظ ويقصّر احيانا في اداء المعاني بل ويقلل من قيمة المعنى ويقول الجاحظ ( ان المعاني مطروحة في الطريق وانما الشأن في اقامة الوزن وتخير الالفاظ ) وهناك من يتجاوز اللفظ ويبحث عن المعنى فانما العبرة في الجوهر لا في المظهر . ولكن الافضل في التوازن بين اللفظ والمعنى فمعاني الرثاء وما فيه من الم وحزن وبكاء تتطلب الفاظا تجانس هذا الجانب وتلبس المعنى الحزين الفاظا تتناسب وهذه الواقعة المؤلمة بما يشارك الآخر حزنه ويشعره بالتعاطف معه وفي الحرب والقتال يتطلب الامر الفاظ الشجاعة والنخوة والبطولة بما يثير الهمم والتذكير بالامجاد السابقات والبطولات الماضيات فتشتد العزيمة فتتقوى السواعد ويعلو الصريخ فيهاب العدو ويندحر .
المعاني كما اعتقد ليست مطروحة في الطريق بل ان الالفاظ مقيدة معدودة ولكن الابداع هو في تجسيد المعاني وتوليدها وابتكار ما لم يعرفه الآخرون لان المعاني تنبع من العقل الذي هو مصدر الابداع وبهذا يتفاضل الادباء والشعراء في مستوياتهم ومن اجل هذا ايضا وضع ابن سلّام كتابه طبقات الشعراء لانه جعل الشعراء على مستويات ومنازل بحسب قابلياتهم وطاقاتهم وما انجزوه من صفوة الكلام فهذا من شعراء الطبقة الاولى والآخر من شعراء الطبقة الرابعة والامر برمته يقوم على تقديرات المؤلف ..
نعود الى القول إن الكلام الاعتيادي هو حوار يجري بين اثنين او اكثر للتفاهم بخصوص امر ما .. وهذا الكلام لا يعد أدبا الا اذا كان الامر مقصودا في الصياغة الادبية في الشعر وغيره اذ لا بد للاديب من الابتعاد عن الحقيقة الا اذا كان الكلام تقريريا اما اذا قصد الاديب الصناعة الادبية فإنه لا بد أن يدخل عالم المجاز وما فيه من وسائل الصناعة البلاغية التي يعرفها المشتغلون في حرفة الادب مثل التشبيه والكناية والاستعارة وعلوم البديع وغيرها من الصناعات البلاغية التي لها كتبها الخاصة التي يعرفها الادباء .. وكلما ابتعد الادباء ولا سيما الشعراء عن التصريح المباشر كان شعرهم أجمل وكذلك كتّاب النثر الفني والمقامات والرسائل التي تجاوزها المعاصرون ولم يعد لها مكان في التراث الادبي المعاصر حيث لم يبق سوى الشعر من يهتم بالفنون البلاغية ولا سيما شعراء القصيدة التقليدية اما اصحاب الشعر الحديث فلهم اساليبهم المعاصرة التي ابتعدت كثيراً عن الفنون الشعرية القديمة ..
لا بد من القول اننا لا نعرف بالضبط متى ظهرت اللغة العربية ومراحل تطورها اذ ان ذلك هو من اختصاص البحث الأثاري , لكننا نعرف انها كانت غير منقوطة وخالية من الحركات وبسبب الارض الرملية فلم تصلنا الا نقوش معدودة , وربما تكشف الايام لاحقا ما يثري هذا الجانب .