الغموض في الشعر بين الغاية والوسيلة

 

د . صباح ايليا القس

 

 

الغموض في الشعر بين القصدية والاسلوب اي يمكن ان يكون الغموض قصديا او قد يكون غاية اسلوبية يجترحها الشاعر بوصفها وسيلة في وسائل التعبير التي يعتمدها في انجاز قصيدته ومداراتها اي موضوعها او اغراضها التي تشتمل عليها القصيدة سواء التقليدية ام المعاصرة على تعدد توصيفاتها .

من حق الشاعر ان يجترح اسلوبه الفني في ايصال الدافع الداخلي والانفعال المستبطن الذي يثير الهواجس للانطلاق والاندفاع نحو الكتابة لتدوين هذا القلق والتوتر الداخلي عبر مساحة الكتابة وصياغة هذا الهاجس وجعله كلمات تنطرح على الصفحة البيضاء لتكون قصيدة قابلة للقراءة ضمن معطيات الكتابة الشعرية التي يعتمدها الشاعر في اسلوبه الذي لا تعنينا طريقة تسجيله على الورق ..

الغموض الشعري يتأرجح بين المصداقية والقصدية الغامضة التي تعني الانغلاق والتعتيم وذلك ما يعقد الامر على المتلقي ويضيع في فك الاشتباك المعرفي , القارئ في رغبته المعرفية والمبدع في تركيبته القلقة المتوترة التي ترصد الابهام والغموض والتعمية كأن الشاعر حينها يقول هل من مبارز لي قد يكون المبدع قد سبق عصره وجاء بما هو اعلى من قدرات المتلقي وقد يكون فاشلا يدّعي العقلانية والابداع على حساب ايهام المتلقي بالغموض المبهم وغير المنطقي ..

قد يكون الغموض مبنيا على التعمية اللغوية اذا اعتمد المبدع لغة معجمية مغلقة تتطلب الرجوع الى المعجم لفك طلاسمها ومساراتها ومعانيها المتباينة بين فريقي السلب والايجاب وهناك تكون السوداوية والظلمة والعتمة وانسداد الافاق نحو الفهم او تفكيك الشفرات ويصبح الامر ضياعا في ضياع ..

الغموض القابل للتفكيك مقبول وكأنه لغز قابل للحل اما الغموض الاسود المجهول الهوية فهو كلام عبثي مقصود او غير مقصود ما يشجع على ابتداع او اختراع تأويلات متعدة توحي بها الالغاز وكلها مقبولة عند التحليل ..

الغموض المقصود في القصيدة قد لا ينسجم مع حالة الانفتاح العاطفي الجمالي في اللحظات الوجدانية العالية التسامي الروحي مع لطافة النفس والشعور بالرضا والتألق . هذا يعني ازمة تعبير في عدم تطابق واتساق الغاية مع الوسيلة وهذا ما يقلل من صورة الابداع والمبدع ..

يشعر الناقد احيانا بالضياع عندما يعالج نصا شعريا يشير الى شاعر ما اذ يجتهد ان يتلمس وسيلة ينفذ منها الى غاية القصيدة .. والغائية ليس المقصود منها الاغراض الشعرية التي عرفتها القصيدة العربية القديمة التي لم تكن تعرف من الغموض الا التغريب اللغوي او التعقيد البلاغي في عدم وضوح الكناية او الاستعارة او ما شابه ذلك من الفنون البلاغية اما غير ذلك فواضح مفهوم ..

المشكلة في غموض النصوص التي لم تكن تعرفها قصائد شعراء التفعيلة مثل بدر شاكر السياب ومن سلك دربه .. لكن الغموض بدأ يتسلل الى الشعر بعد البيان التسعيني وازداد تعقيدا في ايامنا هذه ..

فكل يدّعـــي وصلا بليلــــى    وليلى لا تقــــــرُّ لهم بذاكــــــــا

اخيرا نقول ان الشعر ابداع وهواجس وتوترات تصاغ عبر كلمات باوزان او دونها ولا بأس من غموض يمكن استشرافه والتلذذ به .

 

قد يعجبك ايضا