د . صباح ايليا القس
كثيرون من الدارسين والنقاد جعلوا ظهور الحركة الشعرية الجديدة في منتصف الاربعينيات ثورة شعرية كان لا بد من ظهورها بعد قرون من سيطرة القصيدة التقليدية العمودية ذات الشطرين والبحور الثابتة والقافية المتناسقة مع ختام ابيات القصيدة ..
لا ننكر ان هذه الثورة استقطبت عددا من المجددين كان في مقدمتهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري اي انها عراقية بامتياز وصار لها مؤيدوها في اغلب الاقطار العربية بوصفها حالة حضارية تتناسب مع تسارع المد الحضاري الذي تأثر حتما بالنشاط الانساني واطلاع المثقفين على ما عند الامم الاخرى عن طريق تطور الطباعة وكثرة الترجمة لا سيما للشعراء الانكليز والفرنسيين ..
لم يكن التطور الشعري يتقصد الشكل الخارجي فقط بل تعدى ذلك الى المضمون الذي اصبح اكثر تحررا و اكثر انسجاما مع الواقع الاجتماعي بل اكثر تعبيرا عن الواقع بسبب ان اغلب شعراء هذا الجيل هم من اصحاب المواقف والافكار السياسية المعارضة للواقع السياسي ..
لم يكن عبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب بعيدين عن التيار اليساري التقدمي بل ان معالجات وهموم العامل والفلاح وقسوة الاقطاع يمكن ان تظهر بوضوح على مجمل منجزهم الشعري سوى ان السياب لاحقا اتخذ مسارا اخر لسنا بصدده الان ..
لا نقول ان الالتزام السياسي فاق الابداع الفني المطلوب اساسا في النتاج الشعري بل عند ادامة القراءة وتحليل قصائد شعراء الحداثة فأننا نجد ابداعا شعريا منسابا باسلوب فني عالي المستوى ولكنه ليس على طريقة الشعراء التقليديين بل ان الحداثة لم تكن تقتصر على البناء الفكري فقط بل تعدت ذلك الى البناء الفني والاسلوبي الذي ميزها بابتكار اسلوبيات ووسائل تعبير وصور تتناسب مع الحركة الجديدة في معناها ومبناها .
من المظاهر التي تجلب الانتباه عند شعراء الحداثة هي ظاهرة الاغتراب قبل التغرب .. فالشاعر حينها يحس بالغربة الفنية والهواجس الشعرية حتى وهو بين اهله واصحابه ( غريب كصالح في ثمود ) والإغتراب هنا هو صرخة احتجاجية لا تقبل الشك والتجريح فهو اغتراب فكري وجودي بغض النظر عن الموقف من طبيعة الشعر القديم , فالثورة الشعرية الشكلية فرضت نفسها وانطلقت لتغطي اغلب مفاصل الحياة ويمكن ان نقول انها ظاهرة احتجاجية على المجتمع الذي تمثله حكومات ذلك الزمان ..
ان الثقافة الاعلامية وحركة النشاط الادبي قربّت المسافات بين الاقطار العربية فضلا عن توسع النشاط اليساري ضد الاقطاع والتسلط الاجنبي ما ساعد على حركة الاحتجاج والثورة على الواقع وظهر حينها مصطلح الواقعية ليس على سبيل التسهيل والتبسيط بل لاعادة صياغة الافكار والاساليب بما يتفاعل مع روح العصر ..
الواقعية التي التزمها شعراء الحداثة تعني الانسانية وتبنّي حاجة الانسان واخراجه من واقعه المؤلم الى عوالم الوجود الانساني والحياة الحرة الكريمة ذلك الذي عالجه الشعراء حينها وكانت قصائدهم دليلا على معاناتهم ..
لا يمكن ان ينظر النقاد الى حركة الشعر حينها بمسطرة واحدة مع الشعراء الملتزمين بالتراث , فهؤلاء من طينة اخرى ضمن قنوات فنية خاصة واساليب مستحدثة ومن المفترض ان تكون لهم نظريات نقدية تعرف طريقها اليهم بما يتطابق والمنجز المتحقق .. فلكل جيل شعراؤه وناقدوه ..