الشاعر السوداني محمد الفيتوري

 

د . صباح ايليا القس

 

 

يقول عن نفسه ( انا زنجي .. وابي زنجي الجد وامي زنجية ) الفيتوري شاعر السودان الاول اذ منذ ان تفجرت طاقته الشعرية ولمع اسمه بين شعراء العربية حتى ادركته الغربة والتشرد ولم يعرف الاستقرار وانتقل في معظم اقطار الوطن العربي فمرة تستقبله هذه العاصمة وما ان يستقر فيها حتى ترفضه ليأخذ سياحته الى عاصمة اخرى ولا يلبث ان تطرده وهكذا عاش اغلب حياته منفيا عن وطنه بسبب مواقفه من الحكومات المتعاقبة وربما جنى عليه لونه الاسود وانفه الافنص ..

في طفولته استمع الى احاديث جدته الزنجية وما تقصه عليه من مغامرات واساطير ذلك الذي اثار فيه حساسية التوتر والانفعال والهيجان الذي لم يستطع ان يجد له تفسيرا عندما شبّ وصار له مكان بين الفتيان .

هذه الحكايات كان لها تأثيرها في صناعة الرجل اذ اصبح لاحقا اكثر حساسية حيال الاحداث اذ يشتمل على شعور حزين وذهول متواصل اشبه ما يكون بالتائهين يقول عن نفسه ( دائما تحاصرني عيونهم .. تتابعني حينما اسير .. انهم يسخرون مني .. لقد فضضت سر اللغز .. سر مأساتي انني قصير واسود ودميم ) .

انه يلخص مجمل حياته ويرسم صورة قلمية لنفسه فهو كما يقول قصير واسود ودميم هذا فضلا عن انه فقير هذه الصفات هي التي فجرت فيه الطاقة الشعرية الرافضة لواقع الحال الذي لم يكن الشعب السوداني احسن منه حالا ومن هنا انطلق متمردا حاقدا عنيفا منها ولا تغيير هذا الواقع البائس والانطلاق نحو الحرية التي لا يمكن ان تتحقق الا بالتضحيات ضد المجاميع الارستقراطية التي كان همها الحصول على المنافع مستعينة بالحكام الخونة .. من دون ان نتجاوز شعوره الداخلي الرافض لاشكال العبودية التي يفرضها الاستعمار على كل ذي لون اسود فلم يكن ينظر اليه وامثاله لا بوصفهم العبيد والخدم وما يلاقونه من احتقار وتهميش .

يقول في قصيدة في هذا الجانب :

فقير أجل .. ودميم دميـــم      بلون الشتاء بلون الغيـــوم

يسير فتسخر منه الوجــوه     وتسخر حتى وجوه الهموم

فيحمل احقاده في جفــون      ويحضن احزانه في وجوم

ولكنـــــه ابــــدا حالــــم        وفي قلبه يقظات النجوم

هذه الصفات التي عاناها الشاعر جسدها في قصائد كثيرة اذ لم تغب عن خيالاته صفات السخرية لا سيما عندما يكون بعيدا عن السودان حيث موطنه واشباهه في اللون والفقر .

لكن ما يمكن ان يسعف في هذا الجانب هو ما جاء في الكتاب المقدس في سفر نشيد الانشاد الذي لسليمان النبي حيث تخاطبه حبيبته السوداء فتقول ( انا سوداء لكني جميلة يا بنات او شليم كأخبية قيدار وكسرادق سليمان . لا تلتفتن الى كوني سوداء , فإن الشمس قد لوحتني ) في الآية تسويغ لسواد اللون فهي سوداء بسبب ان الشمس قد لوحتها ومعنى هذا ان الامر ظاهري وشكلي ولا يفرض حضوره على المشاعر والاحاسيس الداخلية حيث يكون النقاء والصفاء .

لم يكن الفيتوري مقتنعا بالواقع الاجتماعي بل هو رافض وثائر على النظام برمته وكان عناده وصدامه وغضبه نصرة لكل المضطهدين من ابناء السودان وغيرهم ممن يفرض الاستعمار سيطرته على بلدانهم فهو دائم الشعور بالغضب والثورة .

يقول :

ولدت فوق عتبات الصمت والغضب

انا تمرد التعـــــــب

انا تجسد الذهول

ان شعر الفيتوري تجسيد للواقع المفروض اجتماعيا وسياسيا فلا بد من مواجهته بالعنف والسخرية والحقد ساعيا الى التحرر ونيل الكرامة يقول :

لا تجبن , لا تجبن , قلها في وجه البشرية

انا زنجي وأبي زنجي , وأمي زنجية

انا اسود

لكني اسود حر امتلك الحرية

هكذا يكون الرفض والتحدي ليحقق الانتصار وينهزم الاستعمار .

 

قد يعجبك ايضا