عَريب المأمونية 

 

د . صباح ايليا القس

 

 

هي إحدى جواري الخليفة المتوكل وتروي الكتب ان سنة ولادتها كانت في عام 181 هـ ولكن المصادر تتفاوت في سنة وفاتها فقد ورد انها توفيت سنة 277 هـ وهناك من يروي ان وفاتها كانت سنة 230 هـ . وقد ترجمت لها كتب التراث الادبي في اكثر من كتاب لا سيما أعلام النساء والمستظرف للسيوطي .

تقول احدى الروايات نقلا عن حماد بن اسحاق الموصلي قال : قال لي أبي : ما رأيت قط أحسن وجها وأدبا وغناء وشعرا وضربا ولعبا بالشطرنج والنرد من عريب , وما تشاء أن تجد خصلة حسنة , ظريفة , بارعة في امرأة إلا وجدتها فيها .

تكاد مثل هذه الروايات أن تعطي صورة مثالية جدا اذ هي الكامل المكمّل من الصفات الانثوية وربما وجد الراوي فيها غير هذه الصفات وربما لغيره قول آخر فبين عين الراضي والحاقد عدة سنوات ضوئية في التوصيف اذ أن مسألة الجمالية نسبية في عيون الآخرين يقول الشافعي :

وعيـــن الرضـــا عــن كـــل عيـــب كليلــــة           ولكــــنّ عيـــن السخــط تبـدي المساويـــا

وقد جسد الشافعي في هذا البيت حقيقة الامر فعين الرضا تتجاوز كل عيب ولكن عين السخط لا ترى الجمال بل تتجاوزه الى المساوئ والنكران ولكل واحد ما يحب ويكره .

يقول علي بن المنجم :

خرجت من دار المتوكل الى دار عريب وفي الطريق بللني المطر , فلما دخلت أخذ الخدم ثيابي واعطوني اخرى , ثم حضر الطعام والشراب وسألتني عن جلسة الخليفة يوم أمس ومن غنّى في حضرته فقال إن بُنانا المغني عزف وغنى هذا الصوت :

وذي كــف بكــى جزعــــــا           وسفـْــر القـــــوم منطلــــقُ

بــــــه قلـــــــق يململــــــــه          وكــــان ومـــــا بــــه قلــــقُ

جوارحـــه علـــى خطـــــر          بنـــــار الشــــوق تحتــــرق

جفـــــون حشوهــــا الارقُ          تجافــــي ثـــــم تنطبــــــــق

فارسلت في طلب بنان مُحضر فاعاد عليها ما غناه أمس فاخذت قلما وكتبت في الحال:

أجــــاب الوابـــل الغــــــدق         وصـــاح النرجـــس الغَـــرِقُ

فهـــات الكــــأس مترعــــة          كــأن حبابهـــــا حـــــــــدقُ

تكـــــاد بنــــور بهجتهـــــا          حواشـــي الكـــأس تحتـــرق

فقــــد غنــــى بُنـــــان لنــــا       ( جفـــون حشوهــــــا الارق )

فاعجب بنان بقدرتها على التأليف والغناء ويقال انه أخذ كلماتها ولحنها وافاد منها .

تقول الروايات انها كانت تحب هذا المغني لكنها عدلت عنه الى شخص آخر اسمه صالح المنذري , وقد حدثت احدى جواري المتوكل انها دخلت يوما الى عريب وقالت لها : تعالي قبّلي هذا الموضع مني فانك ستجدين ريح الجنة .. وأشارت الى رقبتها .. فقامت عريب وقبلت الجارية في الموضع الذي اشارت اليه ثم قالت لها ما السبب في هذا ؟ فقالت قبلني الساعة الصالح المنذري في هذا الموضع ..

عجيب امر هؤلاء الجواري فمن جانب هي جارية المتوكل والمفترض انها تكون خاصته ولكننا نرى علاقات جانبية اخرى بين هذا و ذاك من الاشخاص فضلا عن قصور خاصة لهؤلاء الجواري وتكون لهن استقلالية في العلاقات بعيدا عن الخليفة او من يفترض انها جاريته فالروايات كثيرة وفك الاشتباك بين الروايات غاية في الصعوبة .

يقول عبد الله بن المعتز انه عثر على كتابات منظومة ومنثورة تعود لعريب ومنها رقعة الى المأمون تقول فيها :

أنعِــــمْ تخطتــــك صــروف الـــردى          بقـــرب بــوران مـــــدى الدهـــــــر

درّة خــــــــدر لــم يـــزل نجمهــــــا          بنجــــــم مأمــون العُــــــلا يجــــري

حتـى استقــرّ المُـــلك فـي حجرهـــا          بــــورك فــــي ذلك مــــــن حِجـــــر

يــا سيـــدي لا تنــــسَ عهـــدي فمــا         أطلـــــب شيئــــا غيــر مـــا تــــدري

ويقال أن المأمون قرأ الرقعة على بوران زوجته وشرح لها قصدية عَريب ورغبتها فيه , فقالت بوران : نعم بالله فهمت ..

 

قد يعجبك ايضا