بائع المرايا المحدبة

سرحان محمد علي الكاكئي

لم يكن دكان “هارون” يشبه بقية المتاجر في سوق المدينة الكبير. لم يكن يبيع العطور أو التوابل، بل كان يبيع المرايا فقط. لكنها لم تكن مرايا عادية؛ فكل من يدخل دكانه يجد مرايا مستوية، وأخرى محدبة، ومرايا مقعرة تجعل الوجوه تبدو مشوهة أو مقلوبة.

كان الناس يأتون إليه للتسلية والضحك على أشكالهم الغريبة. لكن في أحد الأيام، دخل الدكان رجلٌ يرتدي معطفاً أسود، ملامحه حادة وعيناه تفيضان بالصرامة والجدية، وقال له بنبرة جافة: “أريد مرآة تعكس الحقيقة كاملة دون زيادة أو نقصان، مرآة لا تكذب، ولا تجمل، ولا تشوه.”

ابتسم هارون ببطء، وأخرج من خلف الستار المخملي مرآة صغيرة دائرية، ذات إطار خشبي بسيط، وأعطاها للرجل وقال له:”هذه المرآة مستوية تماماً، وصُنعت بأعلى درجات الدقة لتكسر الضوء بنسبة مثالية.”

أخذ الرجل المرآة، ونظر فيها الطويل، ثم عبس وجهه وقال بغضب:”أنت تخدعني يا شيخ! هذه المرآة تظهرني عجوزاً متعباً، وتبرز التجاعيد حول عيني والهالات السوداء تحت جفني… أنا لست هكذا، هذه المرآة تشوهني!”

نظر إليه هارون بهدوء ونزع نظارته وقال:”يا بني، المرآة لم تشوهك، بل هي تعكس الحقيقة التي تهرب منها طوال عمرك. أنت تريد مرآة تكذب عليك لتمنحك الوهم الذي يريحك.”

رد الرجل بتحدٍ: “بل أريد الحقيقة كما أراها أنا في عقلي!”امتدت يد هارون والتقط مرآة محدبة صغيرة، ووضعها في يد الرجل وقال:”إذن خذ هذه؛ إنها مرآة محدبة، تمدد المسافات، وتصغر الأشياء البعيدة، وتجعل وجهك يبدو أكثر اتساعاً وإشراقاً.”

نظر الرجل فيها، فارتسمت على وجهه ابتسامة ارتياح، ودفع ثمنها ومشى مسرعاً وهو ينظر إلى وجهه المبتسم في انحناء الزجاج. التفت هارون إلى دكانه الفارغ، وأخذ يمسح الغبار عن بقية المرايا. تنهد وقال لنفسه خافتاً:

“نحن البشر لا نبحث عن الحقيقة المطلقة، بل نبحث عن الزاوية التي تناسب أهوائنا. فكل إنسان يصنع مرآته الخاصة، ويرى العالم من خلال انحناءاتها.”

قد يعجبك ايضا