د . صباح ايليا القس
الشعر عالم واسع يطوف به وحوله الشعراء اينما كانوا ، والشعر هو فن الخصوصية المطلقة اذ لا يتشابه شاعران مطلقا بمعنى التطابق لكنهما يمكن ان يلتقيا في جانب او اكثر بحسب الثقافة والعطاء , والشعر هو الشاعر والشاعر هو شعره ولا يمكن أن يتجاوز أحدهما الآخر . والشعراء قد يكونون منفردين في خصيصة ولا يشاركهما بها احد او قد يتشاركون في مبدأ او طريقة بناء شعري خاصة .. والشاعر هو الاسلوب الذي يميزه ويشير اليه دلاليا من دون معرفة الاسم .. فشاعر مثل نزار قباني تستطيع ان تميز شعره من ضمن مئات الدواوين .. وهناك شعراء معروفون وهناك شعراء مقلدون ولا بأس أن يبدأ الشاعر بالتقليد بشرط ان يتجاوز التقليد الى حيث التأسيس لمميزات خاصة تشير اليه بشكل يفرزه عن اي شاعر آخر ..
اعتاد النقاد القدماء على تأشير الاغراض الشعرية لدى كل شاعر وتلك الفنون الشعرية تكاد تنحصر في مفردات المدح والهجاء والوصف والغزل والرثاء واحيانا السياسة والفخر والخمريات لكن ليس شرطا ان يعالج الشعراء هذه الابواب جميعها على الرغم من اعتراض بعض النقاد القدماء على بعض الشعراء في عدم اقترابهم من غرض معين ويجعلون ذلك منقصة في اداء الشاعر اذا خلا من الهجاء مثلا او الرثاء او اي نوع آخر . ويعدون الشاعر كاملا متكاملا اذا اشتمل شعره على هذه الفنون جميعها بينما يعيبون عليه اذا خلا ديوانه من موضوع لم تكن هناك مناسبة تثير شاعريته .
الغزل عن ابن قيس الرقيات هو الباب الاوفر حظا في شعره والاكثر جمالا وعذوبة وعددا اذ هو عاشق مولع بالجمال مستعد للعبث واللهو .. تتجاذبه الحسناوات فيهرع لهن فيتواصل ويتقاطع اذا ظهر عارض يمنعه من الاستمرار … ولكل واحدة من عشيقاته صفاتها ومذاقها وما لها من نصيب شعري يختلف عما لغيرها من عطائه .. وجاء لقبه ( الرقيات ) بسبب عدد من العشيقات غلب عليهن اسم ( رقية ) فيقول :
ألا ايهــا القلــب اللجـــوج المعـــــذب عـــلام الصبا والغــي والرأس أشيـــب
الا انمـــــا ليلـــى مهـــاة غريــــــرة وسعــدة في اترابهـــا البيــض ربــربُ
وسلامــة الكبرى غديـــر وروضـــة وسلامــة الصغرى غــــــزال مــربب
انه زير نساء بلا منازع فهو يتغزل باربع نساء في وقت واحد .
ولم يكن يتورع من الغزل بام البنين ( وام البنين ) مصطلح للدلالة على زوجات الخلفاء . ويقول طه حسين ان هذا الغزل ليس مقصودا به العشق بل هو نوع من الموقف السياسي بدليل ان الخلفاء الامويين أهدروا دمه من دون ذكر السبب .
في ذلك الوقت كان المدح على ثلاثة انواع النوع السياسي الذي يتوافق فيه الشاعر مع النهج السياسي للحاكم والنوع الثاني هو المدح المبني على القناعة بشخصية الممدوح والآخر هو المدح التكسبي الذي هدفه الحصول على الهدايا والهبات ..
يقول في مدح عبد الملك بن مروان :
خليفـــــــة يقتـــــدى بسنتــــــــه فــي ارث مــجد الثــراء والكــرم
اما الرثاء فهو ذكر محاسن الموتى والتغني بماضيهم لا سيما من كان من العشيرة والاقربين لا سيما مصعب بن الزبير بسبب نوعية الصداقة بينهما يقول فيه :
أتــاك بياســـر النبأ الجليـــــل فليلك اذ أتــــــاك بـــــه طويـــــل
كان العرب يفخرون بأنفسهم وأهلهم وعشيرتهم اولا اذ يشكل النسب والانتماء الباب الاول في الفخر وفي هذا الباب نجده يفخر بنفسه اولاً يقول :
إنــي امـــرؤ لا يطبـــــي ودي الخليـــــل الكاســـب
عندي لجـــــام للرجـــال ومخلـــــــب وكلالــــــــب
ففي البيت الثاني تهديد للرجال وفخر عليهم بانه قادر على سجنهم وايذائهم .
يبقى الوصف الغرض الذي لا يمكن تجاوزه على الرغم من أن بعض النقاد لا يرتضون عده من ابواب الشعر .
الوصف هو رسم صورة الارض وما عليها من رمل وشجر وحيوان وكل ما تراه العين فضلا على مشاهد العمران والترف لاحقا .
يقول في وصف الفرات :
ذكرتك اذ فـــاض الفرات بأرضنـــا وجاش بأعلـــــى الرقتين بحارهــــــا
ويقول في وصف حلوان بمصر :
سقيا لحلــــوان ذي الكــــروم ومـــــــا صنّف مـــن تينــه ومن عنبـــه
من المؤكد ان هذه المقالة تشير الى الفنون فقط من دون التعمق في شرحها وتحليلها فذلك ميدان اوسع من مقالة في جريدة .