عطا شميراني
في الشرق الأوسط، لا تُقاس قيمة السياسي دائماً بحجم ظهوره الإعلامي، ولا بعدد خطاباته النارية، بل بقدرته على حماية التوازنات في اللحظات التي تقترب فيها الدول من حافة الفوضى. فالدول التي تعيش داخل العواصف لا تبحث عن أكثر رجالها صخباً، بل عن أولئك القادرين على إبقاء السفينة متماسكة وسط بحرٍ مليء بالأمواج المتصارعة. والعراق، منذ أكثر من عقدين، يعيش داخل هذا النوع من العواصف؛ دولة خرجت من الحروب لتدخل في أزمات جديدة، وتحاول باستمرار أن تعيد تعريف نفسها وسط صراعات داخلية وإقليمية معقدة.
في مثل هذه البيئات السياسية، تصبح الحكمة أكثر أهمية من الحماسة، ويصبح الهدوء فضيلة نادرة في زمن الضجيج. ولهذا السبب تحديداً، تبرز شخصيات سياسية مختلفة عن السياق العام؛ شخصيات لا تعتمد على الاستعراض الإعلامي بقدر اعتمادها على فهم التعقيدات وإدارة التوازنات. ومن بين هذه الأسماء، يظهر اسم فاضل ميراني بوصفه واحداً من أكثر السياسيين العراقيين والكرد الذين يمثلون نموذج “السياسي الهادئ” في جمهورية أنهكها القلق والانقسام.
حين نتحدث عن فاضل ميراني، فنحن لا نتحدث فقط عن قيادي داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني، بل عن شخصية سياسية راكمت خبرة طويلة في التعامل مع تعقيدات العراق وكردستان والمنطقة بأكملها. لقد عاش الرجل تحولات كبرى؛ من سنوات الصراع الكردي، إلى مرحلة ما بعد 2003، وصولاً إلى التحولات الإقليمية الحالية التي جعلت العراق نقطة تماس حساسة بين مشاريع دولية وإقليمية متشابكة. وهذه التجارب لم تصنع منه سياسياً انفعالياً، بل منحته رؤية تقوم على التوازن والحذر وفهم طبيعة الدولة في منطقة لا تعرف الاستقرار الكامل.
المشكلة الكبرى التي واجهت السياسة العراقية خلال العقود الأخيرة أنّها تحولت تدريجياً إلى مساحة للصراخ أكثر من كونها مساحة للتفكير. كثير من السياسيين تعاملوا مع الدولة بوصفها منبراً للخطابات الشعبوية، لا مؤسسة تحتاج إلى بناء طويل وصبور. ومع مرور الوقت، أصبحت اللغة الانفعالية بديلاً عن الرؤية، وتحولت الحماسة اللحظية إلى وسيلة لإخفاء غياب المشروع الحقيقي. وفي خضم هذا المشهد المزدحم بالتوتر، حافظ فاضل ميراني على أسلوب مختلف؛ أسلوب يقوم على التحليل الهادئ أكثر من ردود الفعل السريعة.
ما يميز الرجل أنّه لا يتعامل مع السياسة باعتبارها معركة إعلامية يومية، بل باعتبارها عملية معقدة تتداخل فيها الجغرافيا بالتاريخ، والمصالح بالتحالفات، والواقع بالأزمات. وهذه المقاربة تحديداً هي ما يجعل حضوره مختلفاً عن كثير من الشخصيات السياسية في العراق والمنطقة. فهو يدرك أنّ الدول لا تُدار بالعاطفة وحدها، وأنّ الخطابات المرتفعة قد تمنح التصفيق المؤقت، لكنها لا تبني استقراراً دائماً.
وفي الحقيقة، فإن العراق اليوم بحاجة ماسة إلى هذا النوع من السياسيين. فالعراق ليس دولة مستقرة تعيش في هامش الجغرافيا، بل دولة تقع في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً. هناك علاقات معقدة مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا والعالم العربي، وهناك ملفات تتعلق بالمياه والطاقة والأمن والاقتصاد والسيادة. وكل هذه الملفات تحتاج إلى عقل سياسي يعرف كيف يدير التوازنات الدقيقة دون أن يدفع البلاد نحو صدامات جديدة.
ومن يتابع تجربة فاضل ميراني يلاحظ بوضوح أنّه ينتمي إلى جيل سياسي يفهم معنى “الواقعية السياسية”. فهو لا يتحدث بلغة الأحلام المطلقة، ولا يندفع نحو المواقف الانفعالية، بل يحاول دائماً البحث عن حلول تحفظ الاستقرار وتمنع الانهيار. وهذه ليست مجرد مهارة سياسية عابرة، بل فلسفة كاملة في فهم الدولة وطبيعة الحكم في المجتمعات المعقدة.
كما أنّ لغته السياسية تمتاز بقدر واضح من الرصانة الفكرية. فهو لا يعتمد على الإثارة أو العبارات الاستفزازية التي أصبحت جزءاً من الثقافة السياسية في الشرق الأوسط، بل يستخدم لغة تحاول تفسير الوقائع وربطها بسياقاتها التاريخية والسياسية. وهذه السمة تحديداً تمنحه صورة مختلفة عن كثير من السياسيين الذين يراهنون على الشعبوية أكثر من الرؤية العميقة.
وربما تكمن قوة فاضل ميراني في أنّه يدرك أنّ السياسة ليست مجرد صراع على السلطة، بل مسؤولية تتعلق بالحفاظ على فكرة الدولة نفسها. فالدول التي تعيش داخل الانقسامات تحتاج إلى رجال قادرين على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة حتى في أصعب لحظات الخلاف. والحوار، في نظر السياسيين الحقيقيين، ليس ضعفاً ولا تنازلاً، بل وسيلة لمنع الانهيار وحماية الاستقرار.
لقد أنهكت الحروب والانقسامات صورة العراق خلال العقود الماضية، وأصبح البلد بحاجة إلى إعادة تقديم نفسه بوصفه دولة تمتلك لغة سياسية متزنة، لا ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. وهذه المهمة لا يمكن أن تنجح عبر شخصيات تبحث عن الأضواء فقط، بل عبر شخصيات تمتلك خبرة حقيقية في فهم التوازنات الدولية والإقليمية، وتعرف كيف تدافع عن مصالح الدولة بعيداً عن الانفعالات المؤقتة.
قد يختلف البعض مع فاضل ميراني سياسياً أو حزبياً، وهذا أمر طبيعي في أي تجربة سياسية، لكن من الصعب إنكار أنّ الرجل يمثل نموذجاً مختلفاً في الحياة السياسية العراقية؛ نموذج السياسي الذي يفضل العقل على الضجيج، والحوار على التصعيد، والاستقرار على المغامرات غير المحسوبة.
وفي شرقٍ متعب بالحروب والانقسامات والشعارات العابرة، تبدو الشخصيات الهادئة نادرة إلى حدّ الاستثناء. وربما لهذا السبب تحديداً يبرز فاضل ميراني بوصفه واحداً من آخر السياسيين الذين ما زالوا يؤمنون أنّ الدولة ليست منصة للصوت المرتفع، بل مسؤولية تاريخية وأخلاقية تحتاج إلى عقل يعرف كيف يحافظ على التوازن حين يفقد الجميع القدرة على الاتزان!