الاعلامية فاطمة علي
العلم بحدِّ ذاته لا يتحدى الله بل هو وسيلة كشف بها الإنسان جزءًا بسيطًا من أسرار هذا الكون الذي خلقه الله بإتقان فكل اكتشاف يصل إليه البشر وكل تطور علمي يحدث إنما يتحرك ضمن القوانين التي أوجدها الله أصلًا فالإنسان مهما بلغ من الذكاء والتقدّم يبقى عاجزًا عن خلق روح أو منح الحياة من العدم أو تغيير حقيقة الفطرة التي خلق الله الناس عليها كاملة لا نقص فيها
لقد شهد هذا العصر تطورًا علميًا هائلًا استطاع الإنسان من خلاله علاج أمراض كانت تُعدّ في الماضي حكمًا بالموت واخترع وسائل سهّلت حياة البشر وفتح أبوابًا واسعة في الطب والتكنولوجيا والاتصالات وهذه النعم بحد ذاتها ليست شرًا، بل هي من الأسباب التي أتاحها الله لعباده ليعمّروا الأرض وينتفعوا بها فالعلم حين يكون في خدمة الإنسان والأخلاق والرحمة يصبح نعمة عظيمة ورسالة سامية
لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول العلم من وسيلةٍ لخدمة الحياة إلى أداةٍ لمحاربة الفطرة والتلاعب بحدود الخلق التي وضعها الله فعندما يحاول الإنسان أن يجعل نفسه فوق القوانين الإلهية أو يظن أن بوسعه إعادة تشكيل الإنسان وفق الأهواء والرغبات فإنه يدخل في دائرة الغرور التي تُفسد العقل قبل الواقع
وفي زماننا هذا ظهرت أفكار تسعى إلى تغيير هوية الإنسان الفطرية حتى بات البعض يظن أن تغيير الشكل أو المظهر يمكن أن يغيّر حقيقة الخلق التي أودعها الله في الجسد والروح لكن الحقيقة تبقى ثابتة مهما تغيّرت الظواهر فالأنثى تبقى أنثى في أصل تكوينها والذكر يبقى ذكرًا، لأن الأمر لا يتعلق بالمظهر الخارجي فقط بل بفطرةٍ متكاملة وتركيب دقيق ونظام خلقٍ لا يستطيع البشر نسخه أو تبديله بالكامل
وقد يصل الإنسان إلى تقنيات متقدمة، فيصنع أعضاءً صناعية أو يجري عمليات معقدة، أو يبتكر وسائل تحاكي بعض وظائف الجسدلكنه مع ذلك لا يستطيع خلق إنسان من العدم ولا صناعة روح تُبثّ في الجسد كما يفعل الخالق سبحانه. فكل ما يملكه الإنسان هو استخدام مواد وقوانين موجودة أصلًا في هذا الكون، وهذه القوانين نفسها من خلق الله وإرادته
ولهذا يظل قول الله تعالى شاهدًا على محدودية الإنسان مهما تعاظم علمه
﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
فهذه الآية تختصر حقيقة البشر جميعًا فمهما ارتفعت الحضارات وتطورت المختبرات ووصل الإنسان إلى أعماق الفضاء يبقى علمه نقطة صغيرة أمام علم الله الواسع الذي لا حدود له
إن العلم إذا اقترن بالإيمان والأخلاق كان رحمةً ونورًا للبشرية أما إذا انفصل عن الضمير والفطرة فقد يتحول إلى بابٍ من الفساد والغرور فيظن الإنسان أنه قادر على منافسة قدرة الله أو الاستغناء عن هدايته وهنا تكون الكارثة، لأن التقدّم بلا أخلاق قد يهدم الإنسان بدل أن يبنيه
ومن المهم أن يتذكّر الإنسان دائمًا أن الشفاء بيد الله، والرزق بيده، والحياة والموت بيده سبحانه وأن البشر مهما بلغوا من القوة والتقدّم سيبقون محتاجين إلى رحمة الله وقدرته في كل لحظة. فالله وحده هو الخالق الحقيقي الذي أبدع هذا الكون بنظامه الدقيق، ولذلك قال سبحانه
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.