د . صباح ايليا القس
لا يمكن أن ننكر ان الاسم هو اول حدث تاريخي في سجل حياة المولود الجديد ويتم بهذا الاسم تحديد الصفة الاجتماعية والجنسية لهذا المولود فللذكور اسماء وللإناث اسماء وعن طريق هذه الاسماء يتم التفريق بين الجنسين على الرغم من وجود اسماء مشتركة يتقاسمها كلا الجنسين لكن المعلن بين المجتمع هو المعوّل عليه وعن طريق هذا الاسم تكون كنية الوالد ابو فلان والوالدة ام فلان او فلانة ويصير الرجل ابا والزوجة أُمّا .
الفقرة السابقة ضمن حدودنا المجمتعية التي يتوافق معها اغلب العرب تعطي دلالات اجتماعية فهذه العائلة أصبحت لها خصوصية اجتماعية بوصفها اسرة متكاملة ويتم التعامل معها بصورة مستقلة تنسلخ من سيادة العائلة الكبيرة ومن هنا تدخل ضمن حسابات الاعراف الاجتماعية ..
اختيار الاسم يمكن أن يقرره الوالدان ولانه فعل اجتماعي خاص بالعائلة فيمكن أن تفرض العائلة الكبيرة سلطتها على هذا الحفيد او الحفيدة ويشترط على الاسرة الجديدة أن تعطي للطفل اسم الجد او الجدة تخليدا لهما او اعترافا بفضلهما . وقد تكون هناك خلافات واتفاقات ومناقشات ربما يتدخل فيها الاخوال و الاعمام الى أن يأخذ هذا الوليد خصوصية اسمه الذي ليس له ذنب في سوء الاختيار وحينها يكون الاسم قدرا ملعونا لا يستطيع المولود ( عند الكبر ) أن يتجاوزه مهما اجتهد وحاول .
وتبقى للاسماء الدينية خصوصيتها المتجددة فلا يستطيع أحد أن ينال من سطواها القومية عبر التاريخ فتبقى لها مكانتها المتميزة في التسميات وهي المفضلة دائما عند افتتاح لولادات تيمنا بالخير والسلامة وحماية إلهية بشفاعة الاسماء المباركة وهذا الامر يشمل الديانات كلها بغض النظر عن قلتها او كثرتها .
عند استعراض تاريخية الاسماء نجد أن هناك تطورا وتغييرا يطرأ على الاسماء بحسب التجديدات الحضارية لكل مجتمع , فما عرفه العراقيون من اسماء سجلتها المدونات الآشورية والبابلية والسومرية لا نجد لها حضورا في ايامنا هذه وما عرفته المدونات العربية عن اسماء العصر الجاهلي مثلا لا نعرف لها حضورا في تسميات المعاصرين الا نادرا مثل ( حاتم ) لصفة الكرم ( وعنترة ) لصفة الشجاعة وهكذا نجد بعض الاسماء القديمة التي لها دلالات خاصة ..
ليس شرطا أن يتطابق الاسم مع المسمّى لكن الاهل يطلقون الاسماء على أمل التحقيق واستثمار الاسم .. فالطفل المولود يراه الابوان أجمل الناس فيسمونه جميلا وبعد مرور الايام والسنوات تتغير الاحوال فلا يجد الناس في هذا ( الجميل ) ما يدل على المطابقة اذ هو بعيد جدا عن أي ملمح جمالي او قد يطلقون عليه اسم ( أسد ) أصلا في الشجاعة وقوة البأس فاذا هو لاحقا يكون أضعف من الخروف عند قسوة الظروف وهذا الامر ينطبق على اسماء الاناث أيضا فمثلا اسم ( نسمة ) واذا الفتاة غليظة بدينة ليس بينها وبين النسمة صلة قرابة مطلقا واخرى اسمها ( لطيفة ) فاذا جالستها فلست تعرف منها إلا الخشونة والعجرفة والمسافة بينها وبين اللطافة كالمسافة بين الارض والسماء …
العصر الحالي هو عصر التقلبات والتطورات في شتى مجالات الحياة وهذه الامور تفرض نفسها على الواقع الاجتماعي الذي تتضح معالمه في اسماء المواليد من دون أن ننسى التحصيل الثقافي للوالدين وما يجترحانه من اسماء تتوافق مع المستوى العلمي فيجتهد الوالدان في اختيار اسماء تجاري العصر مع دون أن ننسى الانحدار القبلي والاصل الريفي او الديني وربما التأثر بوسائل الاعلام او الالتزام السياسي او الفارق الطبقي .
وأخيرا يمكن قراءة الواقع الاجتماعي لاي مدينة عن طريق فحص اسماء مجموعة من الناس من دون تحديد اي بصورة عشوائية .