شيركو حبيب
الخلافات بين الدولة ومواطنيها وأقاليمها ليست بالشيء الخارج عن المألوف، لكن في وجود حكومة وأجهزة تدرك سبيلها نحو الحلول بالطرق الدستورية والقانونية تكون المسألة أقرب للتأكيد على الشفافية والحكم الرشيد، خاصة إذا كانت طبيعة النظام الفيدرالي مميزة لعلاقات متباينة منها بكافة مكوناتها، وتربطها اتفاقيات مبرمة لأجل تقنين الحقوق والواجبات بينها وبين المركز.
قضية رواتب موظفي إقليم كوردستان مسألة معقدة ولم تحل ليومنا هذا بما يرضي جميع الأطراف، فالحكومة الاتحادية العراقية رغم وعودها وتوقيعها الاتفاقيات مع أربيل فيما يتعلق بالمسائل الخلافية، إلا أن أذرع أو جهات ما داخلها تعطل نفاذها وتطبيقها بذرائع و حجج واهية لا تقوم على أي أساس قانوني، ومن ثم يتكرر تأخير إرسال المبالغ المتفق عليها وينتج عن ذلك حرمان عائلات الموظفين من مقومات الحياة والقدرة على الإنفاق، وبالتالي توفر أسباب خراب البيوت لدى من لا تسمح ظروفهم بسد هذا العجز من الاحتياجات.
ومن عجائب وغرائب الدنيا أن نرى مجلس الوزراء يوافق على إرسال مبلغ لتغطية جزء من رواتب موظفي إقليم كردستان على هيئة “قرض”، أي أن الدولة تصرف الرواتب لموظفيها على سبيل “السلفة” وليس الحق والاستحقاق، وكأن العمل لدى الحكومة صار عقوبة كما يعرفه علماء الاقتصاد طالما لم يقابله أجر عادل منتظم، و رغم ذلك فوزارة المالية لا تقوم بتنفيذ ما تم إقراره من قبل مجلس الوزراء، رغم أن حكومة الإقليم سلمت النفط إلى شركة سومو العراقية لبيعه، وكذلك الواردات الأخرى من المنافذ الحدودية، لكن شيئا لم يحدث بشكل إيجابي لصالح مواطني الإقليم، فحكومة أربيل نفذت جميع التزاماتها الدستورية والقانونية، بينما ارتضت حكومة بغداد أن تظل الكرة في ملعبها وتبقى محنة مواطني جزء من البلد دون حل.
وأقول هنا؛ إذا كان البعض يظن أن خرق الدستور قد يؤثر على إضعاف كيان الإقليم فهؤلاء واهمون، لأن مواطني كردستان مروا طيلة تاريخهم ومنذ حضورهم داخل حدود العراق المستحدثة بتقسيم قوى الاستعمار، بظروف بالغة التعقيد وأشد صعوبة فلا تؤثر فيهم مثل هذه التصرفات، بل إن هذه الممارسات تؤدي إلى شعور المواطن الكوردي بعدم انتمائه إلى العراق نفسه بناء على سلوك حكومتها المركزية تجاهه، وهذا لا يخدم مصلحة ووحدة المكونات العراقية بل يؤدي إلى تفكك اللحمة الوطنية.
طال انتظارنا لكي تقوم الحكومة الاتحادية بمراعاة شعور المواطنين في إقليم كوردستان والتأكيد على أن حقوقهم مصونة محفوظة بموجب دستور موحد، لكن ممارساتها تعيد الشعور الكوردي بالندم على سوء حظ ووجودهم تحت مظلتها منذ العام 1921، فمنذ ذلك التاريخ لم تستطع الحكومات المتعاقبة في بغداد جعل المواطن الكوردي يشعر بأنه منتم للعراق، بل العكس، مارست أقسى سبل التعريب ضده، ثم الأنفال و الكيمياوي والتغيير الديمغرافي، وأخيرا اختلاق مشكلة الرواتب والميزانية وأزمة المادة 140 ومستحقات قوات بيشمركة كوردستان، في عراق كان أبناء الدول العربية كافة وغيرهم يحلمون بالعيش والكسب تحت سمائه، والآن أصبح العمل في دواوينه ومؤسساته وهيئاته عقوبة للكورد تحديدا كما يراد لهم.
إن شعب كوردستان ضحى كثيرا من أجل العراق وبناء دولة ديمقراطية مدنية، وشعار الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي يعد اكبر الاحزاب الكوردستانية منذ تأسيسه عام 1946 هو”الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان”، و خلال فترة التحرير أو الاحتلال عام ٢٠٠٣ كان للكورد دورا بارزا في تحرير العراق والمصادقة على الدستور، ولابد هنا التأكيد مجددا على أن الشعب الكوردي لا يقبل التعامل معه على انهم مواطنين من الدرجة الثانية، فالكورد مشاركون في إدارة الدولة العراقية التي تعني مصلحتها العليا صون وحدتها ونظامها الفيدرالي كي لا يخسر الجميع.
روى السابقون علينا بين حكاياتهم أنه في قديم الزمان ظهر رجلان جائعان، لكن من حسن حظهما أنهما قابلا رجلا مسنا حكيما، فأعطاهما سلتين، الأولى كانت مليئة بالأسماك الطازجة، والثانية تحتوي على صنارة لصيد الأسماك، فأخذ رجل منهما السلة المليئة بالأسماك بينما أخذ الرجل الآخر السلة التي توجد بها صنارة الصيد، وذهب كل منها في طريقه. فالشخص الذي كان يحمل سلة الأسماك أشعل النار وبدأ بطهي الطعام في الحال، لكنه بعد أيام مات من الجوع بعد نفاذ الأسماك، بينما الآخر بدأ في المشي وهو يتحمل الجوع حتى وصل إلى النهر، وفي الطريق كان متعباً جداً ومات.
بينما كان هناك رجلان آخران جائعان أعطاهم الرجل الحكيم السلتين، فقررا الذهاب معاً في طريقهما إلى النهر، وفي الطريق قاما بأخذ سمكة واحدة لطهيها وأكلها كل يوم، وهكذا..، لأن الرحلة طويلة مرهقة، حتى وصل الرجلان إلى الشاطئ، وباشرا الصيد، وبعد بضع سنوات بنيا بيتاً، وأصبح لكل منهما عائلة وقارب يصيد منه، وعاش الرجلان سعادة أبدية.
ربما الرسالة في القصتين الأولى والثانية واضحة، ولمن يستلهم الحكمة والعبرة والعظة من سير من سبقونا إليها.