1
ناهــض زقــوت
منذ أن فتحت شهرزاد مخيلة الرجل على السرد، أصبحت المرأة مصدر إلهامه في التعبير عن تصوراته للحياة، فقدّم المرأة كذات فردية تعيش في اطار الواقع الاجتماعي بكل سلبياته وإيجابياته، وتمكّن من اقناع القارئ بصدق الحياة المتخيلة في ابداعاته الروائية والقصصية التي تعيش في ظلّها المرأة، وشكّل بذلك الصورة النمطية للمرأة بأنها تابعة للرجل.
كان لا بد لتلك الصورة النمطية أن تتغير، وبفضل فتح آفاق التعليم، والتطور العلمي والتكنولوجي، ساهمت المرأة الكاتبة في تغيير الصورة فلم تعد المرأة تابعة بل نداً للرجل ونصف المجتمع، ولها حقوق كالرجل تماماً، تساهم في حركة المجتمع كالرجل، وأن حرية المجتمع وتقدّمه تبدأ من تحرر المرأة من سطوة الرجل. فخاضت المرأة الكتابة منذ القرن التاسع عشر للميلاد مؤكدة على ذاتها ووجودها في المشهد الأدبي تماماً كالرجل، ومدافعة عن حقوقها أمام هيمنة الذكورة. ورغم مرورها في حالات المد والانحسار نتيجة عوامل اجتماعية، إلا أنها كانت متواصلة، ولم تنقطع عبر كل السنوات إلى أن وصلت في القرن الحادي والعشرين إلى طفرة روائية نسوية.
تشهد الساحة الأدبية العربية ومن بينها الفلسطينية ظاهرة الرواية النسوية، وزخم روائي نسوي بدأ يفرض نفسه ويتميز في الساحة الأدبية وصل إلى حد المنافسة على الجوائز العالمية، ولكن الغالبية ما زلن أسيرات الذات، وأسيرات الرؤية الشمولية لقضايا المرأة، في منحي التحرر من سطوة الذكورة، وتعرية تشوهات الرجل العربي وفصاميته مع المرأة، ومن قيود المجتمع والانطلاق نحو آفاق أرحب وأوسع. وثمة من قاربن بين الرؤيتين بفتح آفاق وعوالم أخرى مستمدة من الواقع الاجتماعي، فخضن تجارب الكتابة عن الثورات والإرهاب والاستبداد السياسي، وتأثير ذلك على المرأة وعلى مصير الأوطان.
وفي سياق الدفاع عن الذات أمام سطوة المجتمع وهيمنة الرجل، وبلغة سردية متماسكة تأتي رواية الكاتبة الفلسطينية صباح بشير “رحلة إلى ذات امرأة” الصادر عن دار شامل للنشر في نابلس عام 2023. لنسافر معها في أغوار رحلتها الواقعية الاجتماعية للبحث عن ذاتها وسط عالم مليء بالتراكمات الراسخة التي يجب تغييرها وتجاوزها نحو رؤى مجتمعية تدفع نحو تطور المجتمع.
الكاتبة صباح بشير ابنة القدس، حاصلة على ماجستير في الدراسات الثقافية، ومختصة في قضايا المرأة حيث عملت في عدة مؤسسات انسانية وحقوقية واجتماعية، ومحاضرة أكاديمية في كلية بيت بيرل، تكتب المقالات الأدبية والثقافية في الصحافة العربية والمحلية، وتشارك في النشاطات والندوات الأدبية، وعضو فاعل في نادي حيفا الثقافي، وتقيم في حيفا. نشرت كتاباً مشتركاً مع الكاتب جميل السّلحوت بعنوان “رسائل من القدس واليها”، وهذه الرواية هي تجربتها الأولى في مجال الكتابة الروائية.
عتبة العنوان:
يأخذنا عنوان الرواية إلى فضاء من التساؤلات عن الدلالات التي تسعى الكاتبة إلى ترسيخها في ذهن القارئ منذ الوهلة الأولى، “رحلة إلى ذات امرأة”، فكيف تكون الرحلة إلى ذات امرأة؟ وما معنى الرحلة؟ وماذا تقصد بتلك الرحلة؟ ولماذا في ذات امرأة؟ ومن تكون تلك المرأة؟ وهل هي لسبر أغوار تلك الذات أم ثمة دلالات أخرى؟
هذه الأسئلة يثيرها العنوان، وحين التعمق في السرد يتفكك العنوان لصالح جمالية الرواية، وتعبيرها عن دلالات العنوان المتوافق مع السياق السردي. إن الرحلة تعني الشعور بالسعادة والانبساط الذي يشعر به المرء حينما يقوم برحلة سياحية إلى بلدان يجهلها، أو رحلة بين أحضان الطبيعة يستمتع بجمالها، ولكن رحلتنا مع هذه الرواية ليست بهذا المعنى، بل هي رحلة حياة لاستكشاف وسبر أغوار تجربة اجتماعية في أعماق الذات الإنسانية التي تمتلكها تلك المرأة التي تروي الرواية حكايتها، فيمنحنا العنوان القدرة والإرادة الذاتية المدفوعة بالفضول على الدخول في أعماق المتن السردي لتلك المرأة لاكتشاف ذاتها من خلال تجربتها الإنسانية الاجتماعية.
وذات المرأة تؤكد أننا أمام تجربة ذاتية واقعية، تنحو منحى السيرة الذاتية في قالب روائي، وتستمد عوالمها من مخزون الذات باستخدام ضمير الأنا المتكلم الذي يوحي بذاتية الأحداث وارتباطها بالأناالساردة، بمعنى أن الساردة تكتب ذاتها لتشارك الآخرين في رؤيتهم لتجربتها، تلك التجربة التي تكون هي ذاتها ضحيتها، نتيجة هيمنة عادات وتقاليد بالية على مجتمع يعلي من قيمة الذكورة في مقابل انحطاط قيمة الأنثى، وهنا تكون رحلة الذات نحو انتقاد الواقع الاجتماعي والكشف عن اللازمة التي تستمد منها الكاتبة عنوان سردها أن المرأة هي ضحية الرجل والمجتمع معاً.
بناء الرواية ودلالات الزمان والمكان:
يستند بناء الرواية على عملية التذكر أو الاسترجاع الذاتي، تقول: “بدأت أرجع بالزمن إلى الوراء وأستذكر الماضي .. عاد بي سنوات إلى ذلك الماضي، لأنبش خباياه وما يجول في ثناياه”. وتستخدم ضمير الأنا المتكلم الذي يشعر القارئ بصدق الأحداث لأنه صوت الشخصية المندمجة في ذات الساردة الذي يتقاطع أحياناً مع حوار الساردةمع الشخصيات، ولكن تبقى الساردة مهيمنة على السرد، والناطقة بلسان كل شخصياتها، فهي العليم بكل شيء، وهي صاحبة التجربة القادرة على التعبير عنها. ويتضمن البناء السردي تقنيات فنية وأسلوبية وظفتها الكاتبة في بناء روايتها، فجاءت متوافقة مع السرد ومعمقة للتجربة، حيث استخدمت المراسلات عبر الوسائل الالكترونية، وتوظيف الأمثال الشعبية، والأغاني الوطنية والتراثية، والنصوص الدينية، والحكايات المعبرة عن قسوة المجتمع، مثل حكاية “الجارة أم عارف وابنتها أسماء”، وحكاية (آنا) الفرنسية ذات الأصول العربية التي تخرج من قصتها بحكمة أن “الحياة مع الشريك المناسب أكثر اشراقاً وسعادةً”، مما ينعكس على ماضي حياتها في عدم اختيار الشريك المناسب. وكذلك نماذج التجارب الحكائية التي التقتها لإعداد تقرير عن تعدد الزوجات، ورغم أن هذه التجارب أسلوب تقريري، وسرد لا فائدة منه في العمل الأدبي، ولا يضيف لجمالية الرواية، إلا أن الكاتبة جاءت بهذه الحكايات لكي تؤكد مصداقية الأحداث وواقعيتها، وتعمق رؤيتها الانتقادية للمجتمع، وكان يمكن الاستغناء عنها دون أن تؤثر على مجرى الأحداث ومضمون السرد.