د. توفيق رفيق التونجي
أعود بالذاكرة الى موطني ومحل ولادتي وملاعب صباي مدينة كركوك حيث كانت هناك وسط المدينة حديقة عامرة تسمى بحديقة المجيدية وكانت تفصل بين شارع المجيدية والشارع الخلفي المؤدي الى المكتبة العامة وعلى طول الكورنيش المحاذي لنهر” الخاصة” الجاف.
تلك الحديقة كتبت بالعثمانية التركية لوحة حجرية علقت على بوابتها حفر عليها “مجيدية باغجاسي “) الصورة اعلاه) وطبعا ازيل لانها كتبت بالتركية العثمانية رغم ان المدينة يسكنها الكورد والتركمان والعرب والسريان فما بال الكتابات المسمارية على معظم اثار العراق هل تزال يوما لأنها ليست عربية والله اعلم. النعرة القومية السلبية منها في حيثياتها تكاد ان تصل الى درجة من الجهل الثقافي. فالجهل الثقافي ينعكس حتى على نظام التدريس والمواد والكتب المدرسية. فكم من طلاب العراق مثلا شاهدوا ولو مرة واحدة خلال دراستهم متحفا عراقيا او زاروا مدينة أثرية في بابل واشور واور . هذا الجهل الثقافي ادى الى امحاء وهدم وإزالة العديد من الأبنية التراثية في مدن العراق رغم ان القليل منها قد رمم خاصة في العاصمة اذ لا وجود بأسوار بغداد او بقايا من السور اما بغداد القديمة في جهة الكرخ فلا وجود لآثارها..
وما تم ترميمه تم في واقع الامر بتغير الملامح المعمارية فيها كما هي عليها جامع الخلفاء القريب من أسواق شورجة الشعبية وتغيير خان مرجان والجامع القريب. كما تم ترميم المدرسة المستنصرية وما يسمى بالقصر العباسي قرب وزارة الدفاع القديم. الترميم بحد ذاته للمعلم وللإرث التاريخي جيد وصيانة تلك الأبنية اذا لم يتم تتغير الملامح المعمارية في البناء كما حدث في العديد من الترميمات في المدن العراقية جيدة كذلك.

اعود وأقول بان الوعي الجمعي للتراث مهم جدا لذا من الواجب الحفاظ على الطابع القديم للأبنية وترميمها وليس هدمها. شارع الرشيد والأزقة المتفرعة منها شاهد على تاريخ المدينة ويجب ترميمها وتحويلها الى مدينة سياحية تراثية بأكملها ومنع دخول السيارات الى هذه المنطقة بأكملها واستخدام الشارع الموازي أي شارع الجمهورية وكذلك الشارع المسمى ب شارع النهر بعد تاهيله كاملا. وكذلك على طول ساحل دجلة الخير وفي الصوبين. هناك إمكانيات كبيرة في بغداد لتحويل احد الشوارع الى شارع تجاري حديث حبذا خارج نطاق حدود مركز المدينة لتسهيل المواصلات ودخول سيارات الحمل وبناء الكراجات للمركبات والخدمات الأخرى. هذا ما نراه اليوم في مدن أوربا حيث المتاجر الكبيرة تنقل الى خارج حدود مراكز المدن. ان ذاكرة الشعوب تحمل ذكريات ترتبط مباشرة بالبيئة والمكان وحال إزالة او هدم وحتى تغير معالم تلك الأبنية ستختفي تلك الذكريات.
ان وجود الأماكن المقدسة في العراق لها أهمية تاريخية رغم الإحداث المأساوية التي جرت في تلك الأماكن كما في العاصمة بغداد في صوبيها الكرخ و الرصافة وفي مدن سامراء ، الكوفة ، النجف وطبعا كربلاء. تلك الأماكن من جهة قدسيتها في ضمير الناس ولا يجوز قط هدمها فهي أضرحة لائمة كرام. لكن البناء العشوائي في تلك المدن وغياب التنظيم وتخطيط المدن ادى الى اختفائها بين تلك الأبنية. اعتقد لو تمكنا من بناء مدن ملحقة خارج تلك المدن بمسافة مع جميع المرفقات والخدمات وطبعا إيصال الناس بالقطارات السريعة او مترو الأنفاق الى الأضرحة في العتبات المقدسة. ستكون أفضل حل للاختناقات السكنية وللمواصلات في المستقبل. لان وببساطة سيكون أعداد زوارها بعشرات الملايين من البشر.
تصرف الدول مبالغ هائلة للعناية بالأبنية التراثية لوعيها بأهمية التراث والموروث الثقافي من ناحية ومن ناحية اخرى تكون تلك الأبنية مزارا للسياح و زوار المدينة وأفضل انموذج نراه في قصر الحمراء في غرناطة والجامع الأموي في قرطبة ومعظم الآثار التي تركتها فترة الحكم الإسلامي للجزيرة الليبرية، اسبانيا. لا شك بان بعض النصب والتماثيل التذكارية الحديثة تدر على بعض الدول الملايين وتعد ثروة وطنية. كما في (برج ايفل) في باريس و(تمثال الحرية) في الولايات المتحدة الأمريكية وتمثال نبينا عيسى عليه أفضل الصلاة والسلام في مدينة (ريو داجانيرو) في البرازيل وتماثيل أخرى. تلك النصب والتماثيل تكلف صيانتها المليارات لأهميتها كثروة وطنية لدولها ورمزا لمدنها. كما نرى في نصب الحرية وسط العاصمة بغداد من انجازات الرسام والنحاة جواد سليم الذي بات مع الزمن رمزا لمدينة بغداد لا بل للعراق اجمع. للحقيقة التاريخية ان تخريب النصب والتماثيل جريمة بحق النحات والعمل الفني. ولست هنا مغاليا اذا قلت بان النصب والتماثيل تمثل تراثا وحقبة تاريخية من حياة الدولة وإنسانها. ان مجرد التجول في أي مدينة أوربية نشاهد في ساحاتها تماثيل لملوك وشخصيات تاريخية لا بل حتى قبور شخصيات كما في مزار الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابارت وتمثال القديسة جان دارك الذهبي التي ادعت الوحي الإلهي وأحرقت.
اما في إقليم كوردستان فهناك أماكن كثيرة يمكن اعتبارها تراثية ومهمة للإنسانية حيث آثار (إنسان نياندارتال) في “كهف شاندري” واماكن اخرى كوجود اول بئر للنفط في ( باباكركر). هناك اماكن تراثية دينية في اديرة (دير ماري، دير مار عوديشو ) ومعابد وكنائس ومقامات لرجال صالحين كذلك. اما ألاماكن الأكثر أهمية والتي ستبقى خالدة في ضمير الكوردستانيين كما في صخرة البطل ” برده قارمان” حيث استشهد الشيخ محمود الحفيد قرب السليمانية وكذلك قبر الخالد مصطفى البارزاني وابنه الشهيد ادريس (اقترح على الإقليم ان يحول المكان برمته الى مقبرة ومزار كبير مع بناء جامع كبير و ابنية يستريح فيها الزوار وفندق كبير مع المرافق واقامة صرح حضاري وقبة مع عدم تغيير شكل القبر وبساطته. المهم ان يتحول المكان الى ضريح يزوره الناس) . وكذلك بالنسبة لقصر السلام الذي جرى فيه العديد من الحوادث التاريخية المهمة في حياة الشعب الكوردي ونضاله في مدينة حاج عمران الحدودية. على سلطات الإقليم تطوير تلك الأماكن التاريخية المهمة وتحويل تلك الأماكن الى مزارات لأجيال المستقبل.مع المحافظة على الطابع القديم للاماكن كما في مدينة كلالة و العمادية وقلعة اربيل ومنطقة هورمان.
هناك كذلك العديد من الأماكن المقدسة للعقائد ومزارات للصالحين ويعتبر مزار النبي دانيل في قلعة كركوك احد تلك المزارات كما يعتقد وجود قبور ثلاثة انبياء لليهود هناك (حنية، عزرا، ناحوم). كما ان “لالش” المقدسة تعد مزارا دينيا لما للمكان من أهمية دينية ومعنوية للطائفة الايزيدية. كما ان هناك العديد من معابد الطائفة الكاكئية المسالمة. كما تعد قلعة هولير العاصمة (اربيل) اقدم مدن العالم المأهولة بالسكان لحد يومنا هذا.
أطول الحروب المنسية في الشرق والتي جرت رحاها في كوردستان تركت الدمار وكان من اهم نتائجها هدم العديد من الأبنية التراثية والمساجد وأماكن الدينية. كما هدم اهم معلم تاريخي في مدينة كركوك حيث هدم معظم محلة القلعة التاريخية في كركوك والتي ترجع الى عصور الحضارات العراقية القديمة حسب الحفريات والآثار التي اكتشفت هناك. كما اجريت تغييرات جوهرية على جدار القلعة والتي لا تمثل معمارها الأصلي وبات كأحد قلاع الجنوب وشبيه بحصن (قصر الأخيضر) جنوب غرب مدينة كربلاء المقدسة. ناهيك عن كل ذلك فالقلعة كانت دارا للعقائد الدينية من إسلام والمسيحية واليهودية . هذا وقد حصلت جرائم بحق الأماكن التاريخية من ابنية ومساجد ومقام النبي يونس والملوية والحدباء واثار الحضارات العراقية القديمة في الموصل ابان احتلالها من قبل ما يسمى ب “داعش”. كما ارى ذات الحل بالنسبة للآثار الحضارات القديمة في مدن أمثال بابل واشور واور.
وخلال ترحالي في مدن أوربا خلال نصف قرن من الزمان وجدت بعض الأمم يستفيدون حتى من بيت احد أبناءهم من المشاهير يزور ذلك البيت ملايين من الناس كل عام. انتبهت الى دور الشخصيات في بلادي فوجدتها قد هدمت وعلى إطلالها بنيت العمارات الشاهقة وحين يمر المواطن بالقرب منه لا يتذكر اي شيء من ماضي ذلك الزمان.
نحن بحاجة الى وعي جمعي للتراث وأهميتها التاريخية كموروث وذاكرة يتوارثها الأجيال من بعدنا ويحافظ عليها كهوية للأمة وللإنسانية جمعاء.
الأندلس
2023
الشاعر الكركوكي ها هنا يخلد أسماء اكثر من 54 من شعراء عصره في قصيدة واحدة بلهجة گوران الجميلة. تلك القصيدة التي تحولت الى تراث توثيقي ادبي.