سردار علي سنجاري
لقد حان الوقت لان نتحدث عن المرأة الكوردية التي ناضلت عبر التاريخ لان تكون لها مكانة وسط نساء الشرق في تحمل الأعباء الاجتماعية ، الثقافية ، الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية ..
مازال الحديث عن تمكين المرأة بشكل عام يحتاج الى جهد كبير ، بمشاركة كافة الأطراف المجتمعية . وعن الحديث عن المرأة الكوردية لابد لنا ان نقف في محطات خاصة عن تاريخها النضالي من اجل العدالة والمساواة .
المجتمع الكوردي كأي مجتمع شرقي بدا بالتغيير باتجاه المرأة عندما أخذت الثقافة تأخذ مأخذًا جديًا في نمو العقل البشري في القرن الماضي . المرأة الكوردية التي كانت حتى العقود الماضية وبسبب هيمنة العقلية القبلية والعشائرية في المجتمع مجرد امرأة لها مكانتها الطبيعية واحترامها في تربية الابناء وخدمة الزوج وربة المنزل ولكنها كانت رغم ذلك السند الحقيقي للرجل في أعماله اليومية . وعندما بدأت الثورة العلمية في بدايات القرن الماضي في أوروبا وانتقلت تجارب الدول بشكل سريع الى كافة أنحاء العالم وكان المجتمع الكوردي احد تلك المجتمعات التي وصل اليها التطور الثقافي وكانت الأرضية الثقافية للكورد مهيأة حيث كان لهم الادباء والشعراء والمفكرين الذين جاهدوا من اجل عملية التغير وبالأخص ما يخص حقوق المرأة . وكذلك لعب قائد الثورة الكوردية الخالد الملا مصطفى البارزاني دورًا هامًا في تعزيز مكانة المرأة حيث تم تاسيس اول اتحاد نساء كوردي تحت إشرافه الشخصي مما عزز مكانة المرأة الكوردية مجتمعيا وثوريا وسياسيا وثقافيا . واستلمت المرأة الكوردية مناصب حساسة في قيادة الثورة الكوردية حتى وصلت الى اللجنة المركزية في وقت كانت غالبية الشعوب المحيطة بالكورد في بداية ترتيب أمور المرأة في مجتمعاتهم . وعندما بدا التغير الحقيقي ودخلت المرأة معترك الحياة الثقافية ، السياسية والاقتصادية والاجتماعية . عندها بدأت الأمور في كوردستان أيضا تأخذ مأخذ جديدا في التطور الذهني عند الجميع . عندما بدأ كسر حاجز الخوف والتهميش بدأت المرأة الكوردية تناضل من اجل وجودها ككائن فعال في بناء المجتمع . وبدات تجاهد من اجل تغيير نظرة المجتمع الذكوري اتجاها . حيث دخلت السلك التعليمي والثقافي وبدات تشق الطريق من اجل تغيير واقعها الكلاسيكي لتكون خلال فترة زمنية قصيرة الأديبة والشاعرة والفنانة والسياسية والقائد العسكري . وبدات بالفعل تنافس الرجل في العديد من المجالات وتفوقت عن الكثير من النساء في المجتمعات القريبة والمحيطة بكوردستان . وأخذت في تسيير زمام المبادرة في العديد من المجالات وبالأخص المجالات الانسانية حيث تفوقت عن الرجل في الكثير من الحالات وبدات تشارك في رسم الرؤيا الاستراتيجية لبناء المجتمع الإنساني
.
عرفت المرأة الكوردية في الشرق الأوسط بانها المقاتلة الشرسة التي تقف في ساحات القتال صامدة تدافع عن كرامة شعبها وأرضها جنبا الى جنب مع الرجل . وقد تم إعدام العديد من النساء الكورد بسبب نشاطهن السياسية والعسكرية وتم اغتيال العديد منهن ولابد لنا ان نذكر الشهيدة القائد قدم خير من كوردستان ايران التي قادت بنفسها ثورة ضد نظام شاه ايران المقبور ومن شدة بساطتها وسيرتها الثورية استدعاها شاه ايران بطريق الخداع الى طهران وتم قتلها وكذلك الشهيدة البطلة الاشورية مارغريت جورج التي كانت مقاتلة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والتي اصبحت رمزا للمراة الكوردية البطلة والتي تم تكليفها بقيادة معارك هامة من قبل زعيم الكورد الخالد الملأ مصطفى البارزاني وكذلك الشهيدة البطلة ليلى قاسم التي تم اعدامها من قبل النظام البعثي العراقي في السبعينات من القرن الماضي والتي كانت ناشطة في المجال السياسي الذي كان محفوفا بالمخاطر في عهد النظام الصدامي . وفي مجال الثقافة كانت المرأة الكوردية حاضرة في كل المحافل الأدبية والثقافية واثبتت وجودها بشكل فعال في الموتمرات المحلية والدولية وكانت دوما تحضى بالاحترام المميز وذلك لايمانها بالمبادىء الانسانية وتقبل الشعوب الأخرى ولعمق رؤيتها في حقوقها وكيفية مطالبتها بتلك الحقوق بشكل واقعي بعيدا عن اي ضغوط تمس ثقافة المجتمع او دينه او تقاليده الموروثة والتي ما يزال الكورد متمسكين بها . . وكانت اسماء نسوة كورد لمعت في سماء عالم الثقافة مثل وروشن بدرخان وژيلان و ليلى بدرخان و روناهي و بيريفان و شرمين جميل اوغلو اللواتي صنعن التاريخ الكردي و الثقافي والحضاري مع رجال الكورد , فكانت المعجزة التي اضافت الى التاريخ الانساني انصع الصفحات في البطولة والتضحية و الفداء ..
في التاريخ الكوردي المعاصر استطاعت المرأة الكوردية ان تثبت وجودها بخطوات اكثر جدية حيث دخلت المعترك السياسي وساهمت في بناء الإقليم الكوردي الفتي بكل إخلاص ومسؤولية حتى اعتلت المناصب الإدارية الكبرى في الدولة العراقية مثل القاضية زكية اسماعيل حقي التي كلفت من قبل البارزاني الخالد بتشكيل الاتحاد النساء الكوردي والتي اصبحت رئيسته وكان لها دور هام وكبير في انضمام كوكبة من النساء الكورد لصفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني ولعبنا دورا هاما في مجالات مختلفة وكذلك السيدة نسرين برواري التي استلمت وزارة البلديات والأشغال العراقية كوزيرة كوردية وأبدعت في عملها واثنى الجميع على عملها وكانت المرأة الكوردية الوحيدة التي شغلت منصب وزير في تلك الحقبة . وكذلك السيدة نازنين محمد وسو كامرأة كوردية لتشغل منصب وزير في الكابينة العراقية.
اما على الصعيد التشريعي فقد اعتلت المرأة الكوردية ولأول مرة في تاريخ دول الشرق الأوسط منصب رئيس البرلمان حيث تشغل السيدة ريواز فائق منصب رئاسة البرلمان في اقليم كوردستان حاليا وكان قبل ذلك شغلت السيدة فالا فريد المنصب موقتا .
اما على الصعيد الثقافي والأدبي لدينا اسماء مشرفة من النساء الكورد الأديبات اللواتي استطعن ان يكونوا من رائدات الادب الشرقي ووصل سيرة بعضهن الى العالمية. الشاعره (ام جوان ) التي خطت بقصائدها فحوى المأساة والملهات الكرديين رغم كل الصعاب .
و الشاعره الشابة (ديلان شوقي ) ايضاً بدورها كتبت عن معاناة المرأة الكردية , وعن قضيتها , وعن معاناة الكورد من جراء عدم وجود حلول ناجعة لتلك القضية التي لا سند لها سوى ارادة الشعب الكوردي , وقد حاولت من جانب اخراستطاعت ان تترجم الادب الكوردي في كوردستان الشمالية من اللغة التركية الى اللغة العربية و الكوردية . والأديبة سوزان صالح اليوسفي التي تعتبر امتداد لثقافة الادب والنضال معا كخليفة للمناضل والدها الأديب والثوري الشهيد المناضل صالح اليوسفي . ولدينا اسماء كثيرة من الأديبات الكرديات في كافة أنحاء كوردستان لهن مكانتهن الأدبية والثقافية .
واعلاميا كان للمرأة الكوردية تاريخ مشرف في وسط الاعلام الكوردي سواء في حقبة ثورة أيلول المجيدة حيث لعبت المرأة الكوردية دورًا هامًا في مجال الاعلام المركزي والميداني ورغم الظروف الصعبة آنذاك الا انها كانت احد الركائز الهامة في حماس الشباب للدفاع عن كرامتهم وحقوقهم . واليوم نرى في الوسط الإعلامي اسماء لامعة من السيدات الكورد في كافة المجالات الإعلامية سواء في الصحافة او التلفزيون او في الميدان كمراسلات . وكان للبعض دورًا سياسيًا هامًا في تثبيت حقوق المرأة على الصعيد الدستوري كالإعلامية البارزة السيدة پاري محمد التي كتبت الكثير عن دور المرأة الكوردية على الصعيد الاجتماعي والسياسي والثوري .
اما ما يخص العمل الإنساني والمجتمع المدني فقد حاولت المرأة الكوردية ان تثبت وجودها الفعال في المنظمات الدولية وشغلت العديد منهم مواقع متقدمة في مجال حقوق الانسان ودافعت بقوة عن حقوق المجتمع الكوردي عامة والمرأة بشكل خاص . وساهمت في المشاركة في صنع القرار الإنساني في تمكين المرأة من الوصول الى حقوقها عبر الطرق الدستورية والقانونية التي تضمن للمرأة العدالة والمساواة . ولابد لنا ان نذكر المناضلة الدكتورة سارة دوسكي التي اصبحت رمزا للانسانية في المجتمع الكوردي لما تقدمه من اعمال انسانية ومساهمتها كطبيبة في ميادين القتال .
إذاً حان الوقت ان نغير من عقولنا الذكورية في التعامل مع المرأة الكوردية ونكون لها عونا في استمرارية وجودها في المجتمع . وان يكون لها نسبة مشاركة وتمثيل وتواجد اكبر في جميع مؤسسات الدولة .