د . صباح ايليا القس
الحياة القلقة التي يعيشها الصعاليك من وحشة في القفار وتشرد خشية الآخرين والعيش بعيدا في المغاور والجبال صحبة الحيوانات ربما على انفراد او مع واحد او اكثر ممن تجمعهم المشتركات النفسية والاجتماعية .. لا بد أن تؤثر في توجهاتهم الشعرية لا سيما عند التأمل في المصير ورسم صورة النهاية التي حتما لا يتوقعونها اعتيادية مثل الآخرين .
وعلى اساس هذه المقدمة نستطيع ان نتلمس في شعرهم وحشة القبر او النهاية المأساوية لانهم يعيشون على حافة السيف لا سيما في غزواتهم وغاراتهم لانتزاع ما عند الآخرين من مال او طعام لادامة حياتهم او لاثبات وجودهم وخلق حالة الرعب والاستسلام عند الآخرين ..
أن نقول القبر فهو الموت بصورته المرعبة صحيح انهم يتحدون الموت لكن حقيقة الموت وصورة القبر لا يمكن أن تغيب عنهم اذا رحمهم الناس ودفنوهم ولم يتركوهم أشلاء مبعثرة حقدا وتشفياً لذلك يكون القبر ضمن هذه المعطيات خلاصا للجسد من انياب الوحوش والضواري .
القبر او ما يماثله من مفردات مثل , المدفن , الرمس , اللحد , الضرع , الجدث هذه الالفاظ وغيرها تعني تغييب الجسد تحت الثرى بغض النظر عن العادات والتقاليد التي تقوم بها الشعوب لتغييب هذه الجسم الانساني والخلاص منه .
القبر يعني نهاية الحياة وملجأ الميتين ولكن الفارق في طريقة التعامل مع من له قيمة اعتبارية ومنزلة اجتماعية او من كان منبوذا خارجا عن المألوف في الحياة مثل الصعاليك حينما يذكر القبر او ان كلمة القبر وحدها تثير الرعب في نفوس الاسوياء فكيف في الذي يتوقع الموت في كل لحظة ..
يعاني الشعراء اللصوص او الصعاليك من قلق الموت ورعب القبر لانهم الاقرب الى نهاية الحياة فيقول ابو ذؤيب الهذلي :
فــإن تمــس فــي رمــس برهــوة ثاويـــا أنيســـــك أصــــداء القبـــــور تصبــــح
فمـــــالـك جيــــــران ومـــالـك ناصـــــر ولا لطــــف يبكـــــــي عليـــك نصيـــــح
في حين ان هناك من لا يعنيهم الموت او القبر بل يجد بعضهم في القبر فرصة للقاء الحبيبة التي لم توفر له فرص الحياة لقاءها فيقول ابو صخر الهذلي :
ولـــو تلتقـــي أصداؤنـــا بعـــــــد موتنــــا ومــــن دون رمسينــا مــن الارض منكــــــبُ
لظـــل صــدى صوتــي وإن كنــتُ رمـّــة لصـــدى صــوت ليلـــى يهـــــش ويطـــــربُ
اما مالك بن الريب وقصيدته اليائية الجميلة فانه يرثي نفسه وهو يدرك ان الموت لا بد سالبه الحياة وان القبر على الرغم من وحشته وقساوته لكنه يمكن ان يتعايش معه بوصفه مكانا في قفر وذلك يعد فرصة لتلاقي الاحبة بعيدا عن عيون الاهل والرقباء يقول :
إذا مـــــــتُّ فاعتــادي القبــور وسلمـــي علـــى الرمــس أُسيقــــت السحـــاب الغواديـــا
نجد احيانا إن امنيات الشاعر التي لم تتحقق في حياته عسى ان تتحقق بعد الموت فاذا يتحقق لقاء الاجساد فمن الممكن أن تلتقي الاطياف ظنا منهم أن الارواح لا تموت بموت الجسد بل تبقى لتحقق الانتصار على الموت بلقاء ترتاح له العظام البالية يقول السمهري :
الا ليتـــنا نحيـــا جميعــــا بغبطـــة وتبلـى عظامي حيــن تبلـــى عظامهــا
كـــذلك مـــا كـــان المحبـون قبلنــا اذا مـــات موتاهـــا تـــــزاور هامهــــا