قدّم تلفزيون لبنان للجمهور مراسلته الرقمية الأولى المستندة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي والتوليد البصري، والتي أُطلق عليها اسم “تاليا ” .
وهذا التحول التكنولوجي داخل مؤسسة إعلامية رسمية عريقة يطرح تساؤلات عميقة وجوهرية حول أبعاد هذه التجربة، وما إذا كانت تمثل طوق نجاة لتطوير المحتوى التلفزيوني الرسمي، أم أنها بداية لمرحلة جديدة من التحديات الأخلاقية والمهنية التي تواجه الكوادر البشرية في قطاع الصحافة .
وتجسد المراسلة الرقمية “تاليا” نموذجاً متطوراً للمذيعين الافتراضيين الذين بدؤوا يجتاحون غرف الأخبار العالمية والعربية؛ حيث تمتلك القدرة على قراءة النشرات الإخبارية، وتقديم التقارير التحليلية، والتفاعل مع النصوص المكتوبة بلغة عربية فصحى وبمخارج حروف دقيقة، إلى جانب إتقانها للهجة اللبنانية المحلية .
ويأتي هذا التطوير الإستراتيجي محاولة من إدارة التلفزيون الرسمي لإعادة جذب الفئات الشبابية التي هجرت الشاشات التقليدية نحو المنصات الرقمية، ومنح القناة هوية بصرية وديناميكية تتناسب مع لغة العصر الرقمي السريع، متجاوزةً بذلك الصورة النمطية المرتبطة بالإعلام الحكومي الكلاسيكي .
تؤكد التصريحات الرسمية الصادرة عن قيادة قطاع الإعلام في لبنان الأهمية الإستراتيجية لهذه الخطوة؛ إذ صرّح وزير الإعلام اللبناني بول مرقص أن “الفرق أن التلفزيون لا يعبّر عن وجهة نظر السلطة، والمطلوب من تلفزيون لبنان أن يمثّل كل الدولة، وتحديداً يمثّل رجوع الدولة إلى كلّ بيت وأين ما كان لبناني” .
ويضيف الوزير “تلفزيون لبنان لا يبغي المنافسة وميزته التفاضلية بأرشيفه العربي والوطني، والشاشة تربط بين الماضي والمستقبل وبين الأصالة والحداثة”.
وأشار في كلمته التفصيلية إلى أن “الأرشيف الذي جرى تنظيمه مادياً وحمايته ورقمنته وترشيحه لذاكرة العالم في باريس، يشكل قيمة وطنية وثقافية استثنائية، ويمكن أن يقدم إضافة نوعية من خلال حسن استثماره وصونه”، معرباً في الوقت ذاته عن “تقديره لعمل المحطات الخاصة وسائر وسائل الإعلام”؛ ومؤكداً أن “لكل مؤسسة إعلامية ميزتها ودورها وخصائصها ” .
تتقاطع رؤية الوزارة مع التوضيحات الفنية والإدارية التي قدمتها إدارة التلفزيون؛ حيث صرّحت مديرة البرامج في تلفزيون لبنان، الإعلامية نادين لمع، بخصوص طبيعة دور المراسلة الجديدة قائلة “إن ‘تاليا’ لن تكون بديلاً عن زملائنا الصحفيين والمراسلين الذين يواجهون الصعاب في الميدان لنقل الحقيقة، بل ستكون عوناً لهم وسنداً رقمياً داخل استوديوهات البث التلفزيوني والمنصات التفاعلية ” .
تتطلب إستراتيجية دمج الذكاء الاصطناعي في الإعلام الرسمي وضع أطر قانونية وتشريعية صارمة لتنظيم عمل هذه التقنيات وضمان مصداقية المادة التحريرية .
وأوضحت لمع أن “المراسلة الافتراضية ستتولى تقديم فقرات متخصصة في التكنولوجيا، وقراءة الإحصاءات المعقدة، وموجزات الأخبار السريعة على مدار الساعة عبر الموقع الإلكتروني وحسابات التواصل الاجتماعي، مما يتيح للمراسلين البشريين التفرغ للتحقيقات الاستقصائية والتغطيات الميدانية العميقية ” .
يفسر خبراء الإعلام هذا التوجه نحو الرقمنة بكونه محاولة ذكية للتغلب على الأزمات المالية الخانقة التي تعصف بالمؤسسات الرسمية في لبنان؛ فالاعتماد على التقنيات التوليدية يقلل بشكل ملحوظ من التكاليف اللوجستية الضخمة المرتبطة بالإنتاج التلفزيوني التقليدي، مثل حجز استوديوهات التصوير، وتكاليف الإضاءة، وهندسة الصوت، وفرق الإعداد الممتدة .
هذا التوفير المالي يمنح التلفزيون الرسمي ميزة تنافسية تمكنه من الاستمرار في البث وتقديم خدمات إخبارية متواصلة بأقل الإمكانيات المادية المتاحة، مما يجعل من تجربة “تاليا” نموذجاً اقتصادياً مرشحاً للتكرار في مؤسسات إعلامية عربية أخرى تعاني من أزمات تمويلية مماثلة .
تثير هذه الخطوة في المقابل مخاوف هائلة ونقاشات حادة بين نقابات الصحفيين والعاملين في الحقل الإعلامي اللبناني. فالمتخوفون من تغول التكنولوجيا يرون في ظهور “تاليا” بداية لتهديد حقيقي للأمن الوظيفي لعشرات الخريجين الجدد والكوادر البشرية الحالية، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة في صفوف أصحاب الشهادات .
كما تبرز إشكاليات أخلاقية ومهنية تتعلق بـ “أنسنة الإعلام”؛ حيث يرى نقاد أن المذيع الافتراضي، مهما بلغت دقة تعابير وجهه الاصطناعية أو نبرة صوته المولدة، يبقى مجرداً من المشاعر الإنسانية، والتعاطف، والحس الصحفي النقدي والارتجالي الذي يصنع الفارق الحقيقي في التغطيات الإخبارية الحساسة، لا سيما في بلد يعيش أزمات سياسية وأمنية متلاحقة كلبنان .
تتطلب إستراتيجية دمج الذكاء الاصطناعي في الإعلام الرسمي وضع أطر قانونية وتشريعية صارمة لتنظيم عمل هذه التقنيات وضمان مصداقية المادة التحريرية؛ فالاعتماد على الخوارزميات في توليد المحتوى أو تقديمه يحمل في طياته مخاطر الوقوع في فخ التضليل الإعلامي أو الانحياز الخوارزمي، إذا لم تخضع المراسلة الرقمية لرقابة بشرية دقيقة ومستمرة من قِبل محررين وصناع قرار صحفيين متمرسين .
إن نجاح تجربة “تاليا” لن يُقاس بجمال تصميمها البصري أو سلاسة نطقها للكلمات، بل بمدى التزام الإدارة بالمعايير المهنية الصارمة، وقدرتها على جعل التكنولوجيا خادماً للرسالة الإعلامية الوطنية التنويرية، وليس مجرد استعراض تقني مؤقت يفقد بريقه مع مرور الأيام .