بحث موجز مع تَرانيم الضَوء وظلِال الذَاكرة، قراءة تفكيكية مقارنة في المنجز البَصَري للفنان التشكيلي حكيم نديم الداوودي
هيوا البرزنجي السويد
المدخل الأكاديمي: التوأمة الأسلوبية والقرائن الفنية
لا يمكن قراءة المنجز البصري للفنان والشاعر التشكيلي حكيم نديم الداوودي بمعزل عن التحولات الجمالية التي شهدتها المدرسة التعبيرية الرمزية عالمياً وعربياً. إن أسلوبه يقوم على توليفة إبداعية واعية تتداخل فيها ذاتية المبدع مع الموضوع الوجودي، وهي توليفة تجد جذورها وقرائنها الفنية في تجارب رواد كبار أثّروا في مسيرة التشكيل الإنساني.
يُشكل المنجز البصري للفنان والشاعر العراقي المقيم في المغترب السويدي حكيم نديم الداوودي فضاءً إبداعياً تتداخل فيه جغرافيا الوطن الأول مع برودة أمكنة المنفى. وفي لوحته المنجزة عام 2002، يتبلور هذا الطرح الإنساني عبر توليفة بصرية ناضجة تنتمي أسلوبياً إلى التعبيرية الرمزية (Symbolic Expressionism)، حيث يتحول السطح التصويري من مجرد ألوان وخطوط إلى مسرح شعري دلالي كوني.
فعلى الصعيد الغربي الكوني، تتقاطع دراما الضوء وحركية اللون عند الداوودي مع تعبيرية النرويجي إدفارد مونك (Edvard Munch) في اقتناص القلق الوجودي، وتتماهى مع روحانيات الروسي فاسيلي كاندينسكي (Wassily Kandinsky) في تحويل اللون إلى نغمة موسيقية وشحنة صوفية متحررة من قيد الواقع. أما عربياً، فإن هذا التوظيف للرموز الإنسانية والكتل الطيفية يعيد إلى الأذهان فلسفة الجسد والضوء عند الفنان السوري فاتح المدرس، واشتغالات اللبناني بول غيراغوسيان في بناء المجاميع البشرية المتلاحمة ككتلة وجدانية واحدة.
وعند العودة إلى المشهد التشكيلي العراقي ــ الحاضن الأول لتجربته ــ نجد توأمة واضحة مع إرث جماعة بغداد للفن الحديث، وتحديداً in استلهام الأسطورة والرمز كما لدى الرواد جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد في مرحلته الصوفية. هذا الامتداد يكتمل بخصوصية الهوية التشكيلية في كردستان العراق؛ إذ يستعير الداوودي من الطبيعة الجبلية الكردية عنفوانها اللوني، متأثراً بالبنية التعبيرية الصلبة والشاعرية اللونية التي أسس لها رواد الحركة التشكيلية الكردية مثل الفنان أزاد شوقي والفنان إسماعيل خياط، حيث تتحول الوجوه والجبال والطيور إلى مفردات ملحمية تحاكي الأرض والاغتراب. انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من المرجعيات، تأتي لوحته المنجزة عام 2002 كنموذج تطبيقي لنضوج هذه القرائن الفنية، حيث يتحول السطح التصويري بين يديه إلى مسرح شعري ودلالي كوني نابض بالحياة.
أولاً: البنية التكوينية وحركية الخطوط (Composition & Dynamics)
تتأسس اللوحة على تكوين ديناميكي قطري (Diagonal Composition) مدروس، يكسر رتابة السطح ويدفع عين المتلقي صعوداً مع حركة العناصر. يقسّم الداوودي الفضاء عبر ضربات فرشاة عريضة ومتموجة تلتقي فيها كتل الضوء والعتمة في صراع درامي متوازن:
• الكتلة البشرية الظلال: تبرز في الجزء السفلي من اللوحة جموع من الشخوص والظلال التي تتخذ هيئة تضرع أو صعود جماعي (في تناص بصري مع أسلوب غيراغوسيان في تكثيف الشخوص)، حيث ترتفع الأيدي نحو الأعلى في حركة طقوسية تشبه ابتهالاً كونياً بحثاً عن الانعتاق أو الخلاص.
• الوجه الرمزي: وسط الشلال الضوئي الأصفر، يلوح وجه إنساني طيفي بملامح وقورة يحفها الغموض، وكأنه يمثل عين الذاكرة الحية، أو الوطن الذي يراقب ويحرس هذه الجموع في ترحالها.
• الطيور المحلقة: في الفضاء الأزرق العلوي، تحلق طيور بيضاء تعيد التوازن البصري للتكوين، وتمنح المشهد بعداً حالماً بالحرية والسلام، وهي ثيمة طالما تكررت في أعمال إسماعيل خياط كرمز للخلاص.
ثانياً: سيكولوجيا اللون ودراما الإضاءة (Chroma & Light Play)
ينتصر الداوودي في هذا العمل للاستخدام التعبيري الصرف للون، مبتعداً عن المحاكاة الحرفية للواقع، حيث يشحن ألوانه بطاقات عاطفية وسيكولوجية مكثفة تحاكي نظريات كاندينسكي اللونية:
• الإشراق الأصفر: يمثل الوعاء الحاضن للأمل، المعرفة، والنور الروحي. هذا الضوء لا يسقط على المشهد من مصدر خارجي، بل ينبعث من عمق الفضاء التصويري ذاته ليخترق عتمة الخلفية.
• الأزرق والأسود (ثنائية الغموض والاغتراب): يهيمن التدرج الأزرق اللامع والداكن ليضفي مسحة من الميتافيزيقيا، وهو لون يرتبط وجدانياً باللامتناهي وعمق تجربة الاغتراب الروحي والمكاني التي يعيشها المبدع في محترفه الأوروبي. الكتلة الحمراء: على الجانب الأيسر، تبرز كتلة تعبيرية حمراء نارية، تعمل كبؤرة طاقة حية تتصادم مع برودة الأزرق، لترمز إلى الألم المقترن بالذاكرة والولادة المتجددة.
•
ثالثاً: التلاحم النصي والبصري.. التكرار الأسلوبي وفضاء السرد
تتأصل عوالم الداوودي الإبداعية من خلال قدرته الفائقة على تذويب الفواصل بين الفنون، حيث تتحول لوحة عام 2002 إلى فضاء سردي وتكراري إيقاعي يوازي تماماً منجزه الأدبي والشعري. إن هذا التلاحم المقترن بوعيه الإبداعي المزدوج يجد صداه الأكاديمي الصارم في الدراسة الأسلوبية المعمقة والمستلّة من أطروحة الدكتوراه للأستاذ الدكتور عبد الله إبراهيم (جامعة السليمانية)، والتي فككت ظاهرة التكرار في قصائد الداوودي وأبنيتها التراكمية، الاستهلالية، الختامية، وتكرار اللازمة والدائري، مظهرة دور هذه الأنماط في تجسيد التجربة النفسية والشعورية للشاعر.. هذا التكرار الأسلوبي والضربات التواترية المكتوبة بالحروف تتجسد بصرياً على سطح اللوحة؛ فالجموع البشرية المتكررة والطيور المحلقة والظلال الدائرية تعمل كـ “لازمة بصريّة” ودفق إيقاعي متنامٍ يعزز البنية النفسية للمشهد ويضمن تلاحم أجزائه. ومثلما أكد البروفيسور الدكتور خليل شكري هياس في دراسته النقدية ومقدمته لديوان الداوودي الصادر عن دار مكتبة نور (لهم صبح آخر)، فإن البناء البصري في اللوحة يعتمد بقصدية تأليفية على بناء “فجوات دلالية” تمنح المتلقي سلطة واسعة في إنتاج المدلولات ونسج العلاقات. حركة الفرشاة هنا تكرر ضرباتها اللونية المتموجة لتحاكي تكرار الأبيات وتماسكها، مما يجعل التشكيل البصري المرئي على السطح داعماً وسانداً للتشكيل الذهني والدلالي الروحي، مستحضراً الحكايا والمدلولات الغائبة التي تمزج بين الطبيعة والذاكرة الشرقية والكردية الأولى وبين تقنيات التجريد الأوروبي المعاصر.
خلاصة نقدية
تأتي هذه التحفة الفنية المنجزة عام 2002 كحلقة وصل مفصلية ومرحلة نضوج بصري تتبلور فيها ثيمات “المنفى والذاكرة”. الزمن هنا ليس مجرد تاريخ للمنجز، بل هو مشحون بالحس الدرامي الوجداني قبيل التحولات الكبرى، حيث تتحول اللوحة إلى وثيقة جمالية سردية تختزل صراع الذات المغتربة مع أمكنتها الأولى كركوك، طمي روخانة، ورائحة التراب…إنها نموذج متميز لكيفية تحول السطح التصويري من مجرد ألوان وخطوط إلى مسرح شعري دلالي؛ حيث تتداخل الأزمنة وتتلاشى الحدود بين الفنون، وتتحول الألوان في مختبر الداوودي الإبداعي إلى أصوات، والخطوط إلى ترانيم. ينجح الفنان من خلالها في صياغة مشهد كوني سردي يختزل صراع الإنسان بين عتمة الواقع وإشراقة الأمل، لتعلن اللوحة عن نفسها كقصيدة بصرية وحكاية مكتوبة بفرشاة فنان تشكيلي محمل بأسئلة الوجود والاغتراب، واضعاً اسمه بجدارة كجسر إبداعي يربط التشكيل الكردي والعراقي بالأفق العالمي.