أَمَانِي (نوفيللا في حلقات)

د. أميمة منير جادو

الفصل الثاني
ما وراء الهدوء

كنت أشعر وكأنني أعرفها (أماني) من زمن بعيد..
وليست هذه المرة الأولى بيننا
لم أكن أدري أن تلك الهمسات القصيرة، المتناثرة بين كلمات المنصة وفواصل الجلسات، ستفتح لي بابًا إلى حياة امرأة استثنائية تحمل في داخلها أكثر مما تكشفه ملامحها الهادئة
بدأ المؤتمر يمضي في برنامجه؛ كلماتٌ عن العربية، وجمالياتها، وما تختزنه من طاقة على التعبير عن الوجدان وصون الذاكرة.
كانت القاعة تنصت، ثم تستريح قليلًا، وتعود إلى الإصغاء. وفي تلك المساحات الصغيرة بين فقرة وأخرى، كنا نقترب همسا، لا على نحو متكلف، بل كما يقترب غريبان وجد كل منهما في الآخر ضآلته ؛ أو ما يستحق أن يُصغى إليه.

أخذتُ أتعرف إليها شيئًا فشيئًا. لم تكن من أولئك الذين يلقون بحياتهم دفعة واحدة أمام الآخرين، ولا ممن يحرصون على أن يحتلوا مركز الحديث.
كانت تجيب حين تُسأل، وتضيف من تجربتها بقدر ما يسمح به المقام، وتترك في كلامها مساحات تدعو إلى السؤال من غير أن تفرضه.
عرفتُ أنها سوهاجية أصيلة ؛ متزوجة، وأن لها ثلاثة أبناء، وأن حياتها موزعة بين عمان بالخليج ومصر.
تقيم مع زوجها وأطفالها في عمان، حيث يعمل، بينما تحتفظ أسرتها ببيت في مصر، وتظل صلتها بوطنها الأول ممتدة عبر الزيارات والسفر والذكريات.
ولم تكن المسافة، على ما يبدو، مجرد طريق تقطعه بين بلدين؛ فقد كانت وراءها مسؤوليات تتطلب منها أن ترتب أيامها بدقة، وأن تحمل معها ما تحتاج إليه من كتب وأوراق، وأن توازن بين أدوار مستمرة ؛ لا ينتظر أحدها أن تفرغ من الآخر.

كانت تدرس في الفرقة الأخيرة بكلية دار العلوم، بنظام الانتساب. تصورتُ، وأنا أستمع إليها، ما يقتضيه ذلك من جهد: أمٌّ لها ثلاثة أبناء، وزوجة تشارك زوجها أعباء الحياة، وطالبة تعود إلى الكتب بعد أن تنتهي من واجبات البيت، ثم تستعد للسفر والامتحانات، كأنها تعقد مع حلمها موعدًا لا تسمح للظروف أن تخلفه.
وعدت بذاكرتي للوراء لقصة كفاحي المشابهة ..زوجة وأم ودارسة ومدرسة وطالبة دراسات عليا وكتابات صحفية وأدبية وسفر..ومستجدات اجتماعية..حياة صاخبة بلا استقرار..ودائما موزعة بين بيتين بحكم العمل والسفر.
تمثلت رحلة أماني برحلتي..
حياتها بحياتي…
كفاحها بكفاحي…
صبرها بصبري..
جديتها بجديتي..
وهكذا أدركت أن الأمر لم يكن عندها نزهة ثقافية أو رغبة عابرة في الحصول على شهادة وكفى.
كانت دار العلوم بما فيها من علوم اللغة والنحو والصرف والأدب والمواريث ..إلخ ؛ تحتاج إلى وقت وتركيز ومثابرة، وهي تعرف أن الطريق إلى نهايته لا يُعبَّد بالرغبة وحدها. ومع ذلك، مضت فيه، تحمل كتبها وأحلامها من بلد إلى بلد، وتدبر موعد المذاكرة وسط حياة لا تتوقف لتنتظرها.

أتدرين يا أماني؟ لم أكن يومها أعرف تفاصيل كثيرة عنك، لكنني بدأت ألمح في حديثك شيئًا يتجاوز الإعجاب بالدراسة أو تقدير الطموح. كان ثمة إصرار هادئ، لا يرفع صوته ولا يتخذ من المشقة ذريعة للتراجع. وكنت أجدني أستمع إليك بشغف يتزايد كلما انكشف لي جانب جديد من حياتك.
وحين جاء ذكر الأبناء، انفرج الحديث عن مساحة أكثر ألفة. حدثتني عن رياض، الذي كان في المرحلة الإعدادية، وعن ريان وابنتك، وعن عالمك الذي لا ينفصل فيه التفكير في المستقبل عن الانشغال بتفاصيلهم اليومية. وقد أسعدني أن يكون اسم ريان هو اسم حفيدي أيضًا؛ فتلك المصادفة العفوية صنعت بيننا فرحة و ألفة إضافية، كأن الحديث وجد لنفسه خيطًا شخصيًّا يبتعد به عن المجاملات المعتادة في اللقاءات العابرة.
ولم يغب عني أن أصدقاءك ينادونك مازحين ب «أمِ ريّاض»، في إحالة محببة إلى ابنك.
فتذكرت كيف كان بسطاء شارعنا ينادونني ب ” أم أحمد” كان ابني وقتها طفلا فاستهجنت أسلوبهم الشعبي لندائي وقد اعتدت ان ينادونني ب دكتورة او مدام لمن يجهلني.
وكنت قد قررت ان اعاتبهم ؛ لكن راجعت الأمر في نفسي ثم رضيت وفرحت وحمدت الله أن ينسب اسمي لاسم مولودي..فهل هناك نعمة أكبر من ذلك..ندمت على هاجسي واستغفرت واعتدت نداء البعض يا أم احمد ..بل كنت فخورة وسعيدة به
كانت في هذه اللمحة البسيطة نافذة على جانب آخر منك؛ جانب المرأة التي لا تفصل نفسها عن أسرتها، ولا ترى أبناءها تفصيلًا على هامش حياتها، بل جزءًا من نسيجها اليومي، حاضرًا في كلامها وعلاقاتها وحتى في الأسماء التي يطلقها عليها أصدقاؤها.
لم أسألك يومها عن كل شيء، ولم يكن من حقي أن أستعجل ما لا يزال في طور التعارف. غير أنني شعرت بأن وراء هذا الهدوء حكاية طويلة من الصبر و الاحتمال، وأن المرأة التي تجلس إلى جواري ليست مجرد مشاركة في مؤتمر، ولا طالبة جاءت لتستمع إلى مقالات عن اللغة العربية؛ إنها امرأة تشق طريقها بين أعباء كثيرة، وتحتفظ، رغم ذلك، بقدرتها على الحضور والإنصات ومشاركة الآخرين لحظتهم.
حان موعد صلاة الظهر
أذن المؤذن مكبرا ثلاثا..
كانت استراحة الظهيرة، فنهض الحضور من مقاعدهم، وتوزعوا في أرجاء المكان.
لم أكن أعلم أن لقاءً عابرًا في موضع آخر من المبنى سيكشف لي جانبًا جديدًا من شخصية أماني؛ جانبًا لن تحدثني عنه الكلمات، بل ستفصح عنه لفتة بريئة، لم تفعلها لتلفت انتباه أحد، بل تكشفه حركة صغيرة، عفوية، لا يقصد صاحبها أن يراها أحد…وإنما لأنها هي هي هكذا .
كنت أظن أنني بدأت أعرفها، لكنني لم أكن قد رأيت منها إلا ما تسمح به بداية الطريق. وما زال في الحكاية ما لم يُقَل بعد.

قد يعجبك ايضا
∧