رمزي ميركاني
بعد أكثر من عامين من التعطيل والجمود السياسي، شهد برلمان إقليم كوردستان تطوراً مهماً بانتخاب هيئة رئاسته، في خطوة تمثل بداية فعلية لاستعادة نشاط واحدة من أهم المؤسسات الدستورية في الإقليم، بعد فترة طويلة بقيت خلالها نتائج الانتخابات معلّقة، وعجزت القوى السياسية عن تجاوز خلافاتها بشأن المناصب والاستحقاقات السياسية.
وجاء انتخاب هيئة رئاسة البرلمان ليضع حداً لجزء مهم من حالة الجمود، إذ انتُخبت فالا فريد رئيسة لبرلمان كوردستان، ورامي نوري نائباً لها، فيما اختيرت منى قهوجي سكرتيرة للبرلمان. ويشكل هذا التشكيل بداية لاستعادة المؤسسة التشريعية دورها الدستوري، ويفتح الباب أمام استكمال بقية الاستحقاقات السياسية، وفي مقدمتها تشكيل الحكومة الجديدة.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة، ليس فقط لأنه أنهى مرحلة من التعطيل البرلماني، بل لأنه أعاد فتح الباب أمام ممارسة البرلمان مسؤولياته التشريعية والرقابية، ووضع القوى السياسية أمام استحقاقات جديدة تتطلب قدراً أكبر من المسؤولية والمرونة.
وكانت انتخابات برلمان كوردستان التي جرت في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2024 قد أفرزت مشهداً سياسياً متعدد الأطراف، تصدره الحزب الديمقراطي الكوردستاني بحصوله على 39 مقعداً، تلاه الاتحاد الوطني الكوردستاني بـ23 مقعداً، ثم حركة الجيل الجديد بـ15 مقعداً، فيما توزعت المقاعد الأخرى على بقية القوى السياسية والمكونات. لكن نتائج الانتخابات لم تكن كافية لإنهاء الخلافات، إذ دخلت الأحزاب في مفاوضات طويلة بشأن تشكيل الحكومة الجديدة وتوزيع المناصب، الأمر الذي انعكس سلباً على عمل البرلمان نفسه.
وخلال هذه الفترة، لم يتمكن البرلمان من ممارسة دوره الطبيعي، وبقيت جلساته معطلة، في وقت كانت فيه العديد من الملفات السياسية والاقتصادية والخدمية بحاجة إلى مؤسسة تشريعية فاعلة. ولذلك، فإن انتخاب هيئة الرئاسة يمثل خطوة ضرورية لتجاوز هذه المرحلة، وإنهاء حالة الفراغ التي أثرت على أداء مؤسسات الإقليم.
لكن انتخاب هيئة الرئاسة لا يعني أن الأزمة السياسية انتهت، فهناك ملفات أخرى لا تزال تنتظر الحل، وفي مقدمتها تشكيل الكابينة الحكومية الجديدة، والتوصل إلى تفاهمات بين القوى السياسية بشأن إدارة المرحلة المقبلة. كما أن نجاح البرلمان يتطلب ألا يتحول إلى ساحة جديدة للصراع الحزبي، بل أن يكون إطاراً للحوار والمنافسة السياسية وفق القواعد الديمقراطية.
وتبرز أمام هيئة الرئاسة مسؤولية كبيرة في تنظيم العمل البرلماني، وضمان مشاركة مختلف الكتل في مناقشة القوانين والقرارات، والحفاظ على حقوق المعارضة، ومنح النواب فرصة حقيقية لممارسة دورهم الرقابي بعيداً عن الضغوط والتجاذبات السياسية.
فالمواطن الكوردستاني لا ينتظر مجرد عودة النواب إلى قاعة البرلمان، وإنما يريد مؤسسة تتابع مشكلاته اليومية، وتراقب أداء الحكومة، وتناقش قضايا الرواتب والخدمات والبطالة والاستثمار، وتعمل على تطوير القوانين التي تنظم الحياة السياسية والاقتصادية في الإقليم.
إن انتخاب هيئة رئاسة البرلمان يمثل بداية مهمة، لكنه يحتاج إلى خطوات أخرى حتى تتحول هذه العودة إلى عمل مؤسسي حقيقي. فالتحدي الآن ليس في إنهاء التعطيل فحسب، بل في منع تكراره، وإثبات أن الخلافات السياسية يمكن إدارتها داخل المؤسسات الدستورية، لا من خلال تعطيلها.
لقد استعاد برلمان كوردستان إحدى حلقات عمله الدستوري، ويبقى الأمل أن تكون هذه الخطوة بداية لمرحلة سياسية أكثر استقراراً، يكون فيها صوت المواطن ومصلحة الإقليم فوق الحسابات الحزبية الضيقة.