الفيلم الروائي الكوردي.. من شغف الصورة إلى جماليات الخطاب البصري

لندن: عدنان حسين أحمد

ضمن مبادرة نقابة الفنانين العراقيين و « دار بوك سايننغ للطباعة والنشر والتوزيع»، الهادفة إلى دعم إنتاج الكتب والدراسات الفنية، صدرت النسخة التجريبية من كتابي السينمائي الجديد الموسوم «الفيلم الروائي الكوردي»، الذي تولّى تصميمه الفني المخرج محمد علوش. ويأتي هذا الإصدار امتدادًا لمشروعي النقدي والبحثي في مجال السينما، آملًا أن يجد صدًى طيبًا لدى محبّي الفن السابع والقرّاء الكرام، وأن يشكّل إضافة جديدة إلى المكتبة السينمائية الكوردية والعربية.
وبهذه المناسبة، أتقدّم بجزيل الشكر والامتنان إلى نقيب الفنانين العراقيين الدكتور جبار جودي، والمصمم والمخرج محمد علوش، والكاتب والصحفي عبدالعليم البنّاء، تقديرًا لما بذلوه من جهود كبيرة ومخلصة أسهمت في إنجاز هذا الكتاب وإصداره. كما أوجّه تحية محبة وتقدير إلى جميع المخرجين الكورد الذين تناولت أفلامهم بالدراسة والتحليل النقدي، وهي أفلام حرصت على مقاربتها برؤية موضوعية وإنسانية، يلمس القارئ ملامحها منذ الصفحات الأولى من هذا الكتاب الذي يتوقف أيضًا عند جماليات الخطاب البصري وأدواته التعبيرية.
يتألف الكتاب من ثمانية عشر فصلًا، فضلًا عن المقدمة التي كتبها الدكتور جبار جودي، نقيب الفنانين العراقيين، والتوطئة التي كتبتها بنفسي. وقد تناولت فيه أربعة وعشرين فيلمًا روائيًا من إنجاز ثمانية عشر مخرجًا كورديًا، توزعت تجاربهم السينمائية بين العراق وإيران وتركيا، فضلًا عن فيلم «أخوات السلاح» للمخرجة الفرنسية كارولين فوريست، الذي يتناول القضية الكوردية من زاوية فكرية وإنسانية مختلفة.
وبغية التعريف بهذا الإصدار السينمائي الرابع، أجد من المناسب أن أقتبس بعض ما كتبه الدكتور جبار جودي في مقدمته، إذ يقول: «بما أنني أتابع ما يكتبه الناقد السينمائي عدنان حسين أحمد، فقد كنت حريصًا منذ البدء أن أُولي كتاباته النقدية اهتمامًا خاصًا، الأمر الذي دفعنا إلى احتضان كتابه النقدي الموسوم «فضاءات سينمائية جديدة»، حيث ركز فيه على «عشرة أفلام حرّكت عجلة السينما العراقية من جديد». أمّا في كتابه النقدي الجديد الذي يحمل عنوان «الفيلم الروائي الكوردي»، فيُعدّ إضافة جديدة إلى المكتبة السينمائية الكوردية والعربية على حد سواء، حيث حلّل فيه برؤية نقدية موضوعية هذا الكم الكبير من الأفلام الكوردية التي أُنتجت في العراق وإيران وتركيا».
من ذاكرة الطفولة إلى اكتشاف السينما الكوردية
وقد لا أكون مغاليًا إذا قلت إن شغفي بالأدب والفن يمتد إلى مرحلة الدراسة الابتدائية؛ فما إن شرعت بالقراءة والكتابة منذ أيام اليفاعة والشباب حتى بدأت أُعمّق في نفسي هذين الهاجسين اللذين لفتا أنظار والديَّ وأشقائي وشقيقاتي الأكبر سنًا مني. فقد كانوا جميعًا يخشون إفراطي في قراءة الكتب الخارجية، وشغفي بمشاهدة الأفلام العربية والأجنبية، سواء على شاشة التلفاز الصغيرة آنذاك، أم على الشاشة السينمائية الكبيرة في مدينة خانقين أولًا، ثم ديالى وبغداد فيما بعد.
لقد وقعتُ في أسر هذه الفتنة منذ زمن مبكر، من دون أن أفهم آنذاك معنى الخطاب البصري وجمالياته. وحين تعرّفت إليه لاحقًا، تضاعف ولعي بهذا الفن إلى حد الشغف، ولم أستطع الفكاك منه أبدًا. بل إن كثيرًا من الأفلام العالمية كانت تستحوذ على اهتمامي، وتسرقني من الكتاب، وتُبعدني أحيانًا عن بعض الأنشطة الثقافية والفنية الأخرى التي أُكنّ لها هي أيضًا حبًا من نوع خاص.
وعلى الرغم من أن السينما الكوردية في العراق بدأت عام 1988 بفيلم «النفق» للمخرج الراحل مهدي أوميد، فإنني لم أتمكن من مشاهدة الأفلام الكوردية التي أعقبت هذا التاريخ، ولا سيما فيلم «نرجس.. عروس كوردستان» الذي أنجزه المخرج جعفر علي سنة 1991، وعُرض للمرة الأولى بتاريخ 4/11/1991 في سينما «سيروان» بمدينة أربيل. وهكذا لم أشاهد أي فيلم كوردي طوال السنوات السبع والثلاثين التي أمضيتها في العراق، قبل أن أُهاجر مضطرًا إلى الأردن، ومنها إلى هولندا التي عشت فيها أحد عشر عامًا، ثم استقر بي المقام في المملكة المتحدة.
لقد أتاحت لي تجربتا المنفى الهولندي والبريطاني فرصًا نادرة للتعرّف على السينما الكوردية، ليس في العراق فحسب، وإنما في البلدان المجاورة له، وهي سورية وتركيا وإيران. كما وفّرت لي المهرجانات السينمائية العربية والعالمية نافذة أخرى أطللت من خلالها على تجارب السينما الكوردية، ولا سيما مهرجان الفيلم الكوردي بلندن، الذي كان يقدم وجبة سينمائية دسمة في كل دورة جديدة، ويتيح لي فرصة اكتشاف أفلام وتجارب لم تكن متاحة لي في سنوات إقامتي بالعراق.
ومنذ عام 1996 وحتى تاريخ إصدار هذا الكتاب، شاهدت أكثر من مئة فيلم كوردي، تنوّعت بين الأفلام الروائية والوثائقية والقصيرة. وقد ارتأيت أن أخصص هذا الكتاب للفيلم الكوردي الروائي الطويل، على أمل أن أفرد كتابًا ثانيًا للفيلم الكوردي الوثائقي الطويل، الذي سبق أن نشرت العديد من المقالات النقدية المتعلقة به في صحف ومجلات ثقافية عراقية وعربية متعددة.
الفيلم الكوردي.. أسئلة الهوية وجماليات الخطاب البصري
ولا يقتصر هذا الكتاب، الذي أسميته «الفيلم الروائي الكوردي»، على التجربة السينمائية في العراق وحده، وإنما يمتد إلى تجارب كوردية في بلدان أخرى، وفي مقدمتها إيران وتركيا. وقد حظي العراق بحصة الأسد، إذ بلغ عدد الأفلام الكوردية العراقية أربعة عشر فيلمًا روائيًا طويلًا، فيما بلغ عدد الأفلام الكوردية الإيرانية خمسة أفلام، واقتصر عدد الأفلام الكوردية التركية على أربعة أفلام. وعلى الرغم من أن رصيد المخرجين الكورد الأتراك كبير ومؤثر، فإن هذا العدد المحدود من الأفلام التي تناولتها في الكتاب لا يمنع من أن يقدم صورة عن بعض هموم الكورد الأتراك واهتماماتهم الفنية والثقافية.
أما الفيلم الروائي الكوردي السوري، فقد غاب عن هذا الكتاب بسبب تقصيري الشخصي، إذ لم يتسنَّ لي مشاهدة أفلام روائية كوردية سورية، وإن كنت قد شاهدت العديد من الأفلام الوثائقية الكوردية السورية التي سأخصص لها مساحة في كتابي القادم «الفيلم الوثائقي الكوردي»، سعيًا إلى استكمال هذا الجانب الذي لم يتسنَّ لي تناوله في الإصدار الحالي، وإلى تسليط الضوء على تجارب وثائقية تستحق المشاهدة والدراسة والتحليل.
وثمة أفلام روائية ووثائقية، طويلة وقصيرة، أنجزها مخرجون أجانب من جنسيات مختلفة، وقد وجدت الفرصة مواتية لتقديم فيلم «أخوات السلاح» للمخرجة الفرنسية كارولين فوريست، ورؤيتها الفكرية والإنسانية للقضية الكوردية، ولنضال الكورد من أجل الحرية والعيش الكريم وحق تقرير المصير، الذي تكفله الأعراف والقوانين الدولية. وقد رأيت في هذا الفيلم تجربة تستحق التوقف عندها، ليس من زاوية موضوعها السياسي فحسب، وإنما من خلال معالجتها السينمائية ورؤيتها الإنسانية أيضًا.
وسيلحظ القارئ الكريم أن كاتب هذه السطور ينتقد الأفلام الكوردية التي تروّج للعنف، ولا تدعو إلى ثقافة التسامح والسلام، أو تحاول الطعن في المكوّن العربي والانتقاص من إنسانيته، أو تحمّله أكثر مما يحتمل، متجاهلةً أنه كان بدوره ضحية للأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة في العراق، على وجه التحديد. كما شمل النقد بعض الأفلام التي اتسمت بضعف قصصها السينمائية، وهشاشة بنائها المعماري، وعجزها عن ملامسة المشاعر الإنسانية العميقة. فالانتماء القومي أو الوطني لا ينبغي أن يكون مبررًا للتغاضي عن مواطن الضعف الفني، كما أن الاختلاف في الرؤى والمواقف لا يلغي ضرورة احترام الإنسان وكرامته وحقه في العيش بسلام.
وللإشارة، فإن هذا الكتاب هو إصداري السينمائي الرابع، بعد كتبي السابقة «الفيلم الوثائقي العراقي في المنافي الأوروبية»، و«غواية القصة في الفيلم الوثائقي الجديد»، و«فضاءات سينمائية جديدة». وأتطلع إلى أن يكون هذا الإصدار حلقة جديدة في سلسلة مشروعي النقدي الذي يسعى إلى قراءة التجارب السينمائية وتحليل خطابها البصري، والكشف عن جمالياتها الفنية ومضامينها الفكرية والإنسانية.

وفي الختام، أتمنى من أعماق القلب أن تفتح هذه الدراسات النقدية الأربع والعشرون نافذة جديدة لمشاهدة الفيلم الروائي الكوردي والتأمل فيه، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والرؤى المتحيزة، وبحيادية نقدية تنفتح على مختلف التجارب والاتجاهات. فالفيلم السينمائي، قبل كل شيء وبعده، يهدف إلى تحقيق المتعة والفائدة، وإعمال الذهن، وإشاعة ثقافة المحبة والتسامح والوئام.
ولعلّ هذا الكتاب، بما يتضمنه من قراءات نقدية وتجارب سينمائية متعددة، يكون دعوة صادقة إلى اكتشاف السينما الكوردية، والإنصات إلى أسئلتها الإنسانية والجمالية، والتعامل معها بوصفها جزءًا أصيلًا من المشهد السينمائي الإقليمي والعالمي، يستحق الدراسة والاهتمام والاحتفاء.

قد يعجبك ايضا
∧