الخلود” و ” الحسم”

 

اعداد: عدنان رحمن

 

   عن دار سطور للطباعة والنشر- بغداد- شارع المتنبي، صدرت رواية بعنوان ( الخلود) للـ د. كرار محسن الحمداني ورد في جزء ورد في الكتاب تحت عنوان فرعي بإسم ( كوليا)، والكتاب الثاني الذي سوف يكتب عنه هو ايضا صادر عن دار سطور:

– ” بحركات متعجلة كان يستعد للذهاب إلى المدرسة، ارتدى ملابسه وألقى على نفسه في المرآة نظرة متعجلة ليرى إن كان وسيماً أنيقاً هذا اليوم أم لا، فارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة حين لمح صفاء عينيه رغم أنه كان يخشى الوقوف أمام المرآة لأنه يعيش لحظات متوترة حينما يسأل نفسه هل هو وسيم بشكل كافٍ لتتقبله النساء؟ أو هل مظهره لائق بشكل يمكن أن يجذب الانتباه أو يوجب احترام الآخرين له؟ كان هذا صراعاً دائماً في حياة الشاب كوليا أخذ من نفسه مأخذاً دام لسنين طويلة من عمره بسبب بعض التعنيف غير المقصود الذي كان يتعرض له من والده في عمر الطفولة والذي يتلقاه بحساسية مفرطة ويقارنه مقارنة مستمرة مع غيره من الأطفال الآخرين وكيف تجري معاملتهم من قبل آبائهم. ورغم أنه ليس بالشخص الححقود إلا أنه يتميز بذاكرة لا تنسى التفاصيل   العاطفية التي يمرّ بها. ألقى التحية على أمه بحنان وذهب ليلقي التحية على أبيه بخطوات متثاقلة إذ كان يشعر بتوتر حين يلقى أباه لأنه يخشى انتقاد أبيه أو نصائحه أو توبيخه المستمر، وقد ألقى التحية مسرعاً ثم انطلق خارج البيت هادئ النفس مبتهجاً لخلاص نفسه من ذلك الشعور بالضيق.   خرج الشاب الوسيم من باب المنزل بخطوات مليئة بالاندفاع والقلق، كأنما يخطو إلى عالم غريب لا يعرفه بعد. لقد كان يتمتع بملامح جذابة وحادة؛ عيناه سوداوان تبدوان بلون الخيل الأدهم، تلمعان بنظرة واثقة، وشعور يوحي بالأُنفَة، وله ذقن مرسوم بدقة تضفي على وسامته لمحة رجولية واضحة. فاتح البشرة، وشعوره أسود غامق، كان يحلو له تصفيفه إلى الخلف بعناية وبشكل أنيق.   لقد كان يرتدي بدلة أنيقة وكأنها قد صممت خصيصًا له، تتميز بلونها الكحلي الغامق وبخياطتها المتقنة وكأنها رسمت على جسده الرشيق. تتكون من قميص ناصع البياض نظيف، ترك زر القميص الأعلى مفتوحاً بلمسة عفوية دون أن تفقده شيئاً من أناقته الرسمية. ويكمل مظهره حذاء أسود من الجلد لامع يدل على اهتمام خاص بأدق التفاصيل، وساعة سوداء تلمع على معصمه. طالما كان لحضوره جاذبية من الصعب تجاهلها، وقد أظهرت مشيته ثقة هادئة، حين لفح وجهه نسيم صباحي بارد في أول الطريق، يحمل معه رائحة الغبار المبلل   الممتزج برائحة الخبز الطازج المتأتي من أحد الأفران في آخر الزقاق. الشارع بدا حياً رغم الهدوء الملقى على أزقته، وقد اصطفت على جانبيه مجموعة من المباني القديمة التي ارتسمت على جدرانها تشققات الزمن، تتخللها نوافذ قديمة مفتوحة تصدر منها أصوات الأطفال وهمسات الحياة اليومية التي تحياها عوائل روسيا. كان الضوء الذهبي لشمس الصباح يتسلل بخجل بين أتصان ( أغصان) الأشجار المتناثرة على الرصيف، ليرسم لوحة فنية من ظلالٍ طويلة تُسحق بأقدام المارة في آخر الطريق. بائع الكتب يفرش بضاعته على الرصيف وهو غير آمن عليها من تبدل الأجواء من الصحو إلى المطر، وكأن الشمس الإله الوحيد الذي يضمن له رزقه. والطفلة التي تحمل حقيبتها المدرسية تعبر الطريق وهي تلّوّح إلى أبيها وأمها الواقفين عند الزاوية.   توقف كوليا لحظة، وتنفّس بعمق، وشعر بالحرية، وأحس أن الشارع لم يكن مجرد ممر للعبور، بل كان خشبة مسرح عظيمة.   هناك حيث تلتقي النظرات بمشاهد لا يتم إعادتها مطلقاً.   كان هناك فتى وسيم طويل شعره أسود وعيناه خضراوان جميلتان ووجهه أبيض متورد يسير بخطوات متزنة يبدو عليه أنه هادئ النفس كما تدل ملامحه، يدعى سرجيف، وكان على مقربة من كوليا، بدت على وجهه ابتسامة حيا بها صديقه بود وانشراح، فقد كانا على موعد متفق عليه للذهاب إلى المدرسة ثم الذهاب مع بعض أصدقائهم إلى المقهى بعد انتهاء الدوام. بعد عدة ساعات اجتمع الأصدقاء بعد يوم دراسي لم يكن متعباً بقدر ما كان مضجراً للفتية إذ تثقل على مثل أعمارهم أخذ الدروس لوقت طويل. وصلوا توأ إلى المقهى بعد أن قرر كوليا تغيير المقهى المقصود إلى مقهى آخر بسبب الهدوء الذي يتمتع به هذا المكان الجديد. تحدث بانشراح وانسيابية مع أصدقائه حول مواقفهم ومشاكساتهم في الماضي وقد أثارت تلك الذكريات جواً من المرح والسعادة لديهم حتى دخلت فتاة حسناء كانت ترتدي قميصاً أبيض اللون تزينه وردة حمراء في أعلى جهة اليسار وقفازين أسودين. كانت رشيقة طويلة القامة لها شعر بني اللون وعينان زرقاوان صافيتان، قد آثار جمالها استحسان كوليا وافتتن بها أشد الافتتان، ولكنه الزعج في نفسه كثيراً لهذا التوتر الذي يصيبه حين ينظر إلى الفتيات الجميلات، إذ كانت هذه الاندفاعات لا تبارحه ولم يفهم لم كل هذا الاندفاع الفطري لجمال النساء، غير أن افتتانه بتلك الفتاة شغله بسرعة عن التفكير بشأن اندفاعاته وبدأت الأصوات التي تتحدث معه تبتعد عن ذهنه وسماعه شيئاً فشيئاً، ألقى نظرة طويلة على عيني تلك الفتاة“.

وعن الدار نفسها، دار سطور صدرت رواية بعنوان ( الحسم) ورد في الفصل الاول منها:

– ” كان المدعو عادل يسير بخطى متقاربة على رصيف كورنيش الشط العريض، لفت انتباهه، جلسة فتاة على صخور الشاطئ، حيث كاد يلامس الماء أطراف قدميها وكانت تقرأ بكتاب، كانت هي الوحيدة النازلة من خلال سلم ذي خمس بسطات يفصل بين سياج الكورنيش والشاطئ الملامس للماء مباشرة، مما أغرى موقعها كثير من أنظار المارة المتنزهين. الذي استجد في ذهن عادل وجعله يأنس بالقرب منها، هو لمعرفة أي كتاب تمسكه يدها…! بعد أن تخطى في سيره، عاد متقهقرا كي يستأنف ما جَالَ في خاطره من ورع رؤياه إلى جلسة تلك الفتاة المترتنة، وكأنها تتحدى بكبرياء تلك النظرات الزائغة، اللاهفة إلى فتنة جمال شعرها الطويل الأشقر، المبروم داخل جديلة ممتدة إلى منتصف ظهرها. بعض من المارة المتنزهين، فتنتهم جلستها المنفردة وهي عاكفة ساقيها وظهرهـا مسنود بإحدى صخور الشاطئ، ظلوامسحورين بقوامها الممتد في جلستها المثيرة. ينتظر كل واحد منهم أية استدارة منها حتى يلمح بعضاً من أجزاء وجهها. اقترب عادل من الشق المتصل بالسلم القصير ذي الخمس بسطات، المعد لنزول الأشخاص من رصيف الكورنيش إلى الشاطئ مباشرة، كي يمر من خلف الفتاة ومن ثم يتطاول في سرقة عنوان الكتاب… غير إنه تراجع وخشي أن يتهم بمطَب، هو لا يبتغيه. ظل متحصرا كالتمثال في فتحة الشق، حائرا، وبعد لحظات من التأمل مع نفسه، استهان في وقفته بالشق واستسخف منطقه في الاكتراث بمثل التوجه الذي باغته، فتنحى جانبا، وظل ينتظر الآتي. وقد لفت انتباهه لهفة الناظرين بعيون مفترسة إلى جلسة تلك الفتاة. شعر بخجل من وقفته، ولأجل أن لا يتهم بجريرة المتلصصين، اضطر أن يواصل سيره. وقف على بعد بضعة أمتار عن موقعه الأول، مستندا على سياج الكورنيش. أخرج موبايله وراح يبحث عن تاريخ صدور مجموعته القصصية الأخيرة… كان قبل ثلاثة أشهر، وهنا فكر: “ ربما، لا أدري، قد تكون هذه الفتاة تقرأ بكتابي…!!! حسنا، سأنتظر خروجها من الشاطئ، ولكن، ما هي السبل التي تجعلني أحكك بها…؟ وهناك جمع غفير من المهورين، ربما، أيضا يتصيدون الفرص.”

أستمر في تحواله على رصيف الكورنيش، مستأنساً في النظر إلى المتجولين. كان يرصد من خلال عينيه، أية شاردة، أو هفوة، كي يضمنها ملاحظاته ومن ثم يخزنها في ذهنه كعادة أولية،يسخرها كعطاء في كتاباته التالية. أصاخ السمع إلى صوت ضجيج طيور النورس، التفت، فرأى معركة حامية مشتعلة بين مجموعة من طيور النورس حول غنائمها من السمك. أنعشه المنظر، اقترب من سياج الكورنيش، راح يتفرج بشوق على غريزة الصراع من أجل الأنا. وبين حين وآخر ينقل نظره إلى هناك، حيث جلسة تلك الفتاة، فقد أوقد تفرد جلستها في داخله عدة مزايا، شجعته على أن يبتغي معرفة ماهية هذه الشخصية، بالإضافة إلى احتمالية اختيار مجموعته للقراءة…! هو بات يخفي بين ثناياه هواجس شتى حول هذه الفتاة. ظل متربصا لأي تغير في حركتها. وقد أثقل مرور الوقت، ظنه، بمغريات جديدة عن خفاياها، بات يتداولها في خياله، مثلا… ربما، هي أيضا كاتبة، أو أستاذة“.

     

قد يعجبك ايضا
∧