د. كريم نوري عبد الله الدليمي
-“حينما تسقط الميكرفونات أمام بروفيسور بحجم قامة –سلمان الرواف –يسقط معها التقدير الاكاديمي والوعي المجتمعي إن إهانة العالم وتهميش المعلم والأستاذ الجامعي ، والاحتفاء بالتافهين هي الوصفة الأسرع لهدم أي حضارة ما حدث للبروفيسور في مؤتمر التعليم في العراق ، هو جرس انذار يعكس واقعاً مؤلماً يتطلب وقفة جادة لإعادة الاعتبار لكل صاحب علم وفكر في بلادنا”
هناك شخصيات لا تحتاج الى كثير من التعريف، ولا الى حملات إعلامية لتصنع حضورها، فمكانتها تفرض نفسها بما تمتلكه من علم ومعرفة وثقافة وتجربة، وهناك قامات حين تحضر، يصبح للحديث معنى اخر، وللكلمة وزن مختلف، وللإنصات قيمة تليق بمن يقف أمامها، ومن بين هذه القامات يبرز اسم البروفيسور ( سلمان الرواف)، بوصفه اسماً يستحق أن يتناول بعيداً عن ضجيج الاعلام ومظاهر الاستعراض، إن الحديث عن القامات العلمية ليس حديثاً عن الألقاب والشهادات وحدها، بل هو حديث عن قيمة الانسان وما يختزنه من فكر، وما يقدمه من معرفة، وما يتركه من أثر في محيطه ومجتمعه، فالبروفيسور الحقيقي لا تقاس مكانته بعدد المرات التي يظهر فيها امام الكاميرات ، ولا بعدد الميكروفونات التي تتجه نحوه، وانما بقدرته على ان يجعل من الكلمة موقفاً، ومن المعرفة رسالة، ومن الحوار مساحة لإثراء العقول.
-حين تصمت الميكروفونات تتحدث القامات.
وهذه ليست عبارة أدبية عابرة، بل تعبير عن حقيقة نلمسها في حضرة أصحاب الفكر والمعرفة؛ فالميكروفون أداة لنقل الصوت، لكنه، لا يصنع قيمة المتحدث، والكاميرا تستطيع أن توثق لحظة الظهور، لكنها لا تستطيع أن تمنح صاحبها عمقاً فكرياً أو مكانة علمية، فالفارق كبير بين من يبحث عن الأضواء ليصنع لنفسه حضوراً، وبين من يصنع حضوره بما يمتلكه من علم وتجربه ورصيد ومعرفة، ان قيمة البروفيسور ( سلمان الرواف)، كما ينبغي أن تقرأ، لا ينبغي أن تختزل في مناسبة أو لقاء أو ظهور اعلامي، فالشخصيات التي تستحق التقدير هي التي ينظر اليها من زاوية ما تمثله من قيمة وفكرية، وما يمكن أن تضيفه الى المشهد الثقافي والمعرفي، ومن الانصاف ان نمنح هذه الشخصيات المساحة التي تستحقها، وان نتعامل معها بمنطق التقدير والاحترام، لا بمنطلق المجاملة العابرة.
ولعل ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم هو إعادة الاعتبار الى رموز العلم والمعرفة، وإعادة ترتيب سلم الاهتمامات، بحيث لا تطغى شهرة عابرة على قيمة علمية، ولا يتقدم ضجيج المنصات على صوت الفكر الرصين ، فنحن بحاجة الى ان نحتفي بالعقول، وأن نسلط الضوء على أصحاب الخبرة، وأن نمنح الأجيال فرصة التعرف الى الشخصيات التي يمكن أن تشكل مصدر الهام في مسيرتها العلمية والثقافية، إن الاعلام الحقيقي لا يقاس بعدد الميكروفونات التي يحملها، ولا بعدد الكاميرات التي يوجهها ، وانما بقدرته على اختيار ضيوفه، واحترام عقول جمهوره، وتسليط الضوء على الشخصيات التي تستحق أن تسمع وتناقش وتحاور، وعندما يقف الاعلام امام قامة علمية، فأن مسؤوليته الأولى أن يرتقي بمستوى السؤول: وان يمنح الحوار عمقه وأن يدرك أن قيمة اللقاء لا تكمن في مدته، بل في مضمونه وما يتركه من أثر.
ولذلك فأن الحديث عن البروفيسور ( سلمان الرواف )، هو مناسبه للتأكيد على أن احترام القامات العلمية ليس ترفاً اجتماعياً، بل ضرورة ثقافية وحضارية، فالأمم التي تحترم علماءها ومفكريها هي أمم تعرف طريقها الى المستقبل، وتدرك أن بناء الوعي لا يقل أهمية عن بناء المؤسسات، وأن الاستثمار في العقول هو الاستثمار الذي لا يخسر، لسنا بحاجة الى المبالغة في وصفه الأشخاص حتى نمنحهم حقهم من التقدير، كما لسنا بحاجة الى التقليل من الاخرين كي نرفع من شأن قامة علمية، فلكل أنسان مكانته، ولكل صاحب اختصاص مجاله، لكن تبقى للعلم هيبته، وللمعرفة احترامها، وللقامات الفكرية حضورها الذي لا تصنعه الأضواء.
ختاماً:
حين تصمت الميكروفونات أمام قامة بحجم البروفيسور ( سلمان الرواف)، فليس المقصود أن ينتهي الحوار ، بل أن يبدأ الحوار الحقيقي؛ حوار المعرفة والفكر والرؤية ، فالميكرفونات قد تنقل الأصوات، لكن العقول وحدها هي التي تصنع التأثير، والاضواء قد تسلط على الوجوه، لكن العلم هو الذي يمنح الانسان مكانته: ( فليس كل من يمتلك ميكروفوناً أصبح صاحب رسالة وليس كل من غاب عن الأضواء غاب عن التأثير …. فهناك قامات يكفيها رصيدها العلمي كي تتحدث عنها، ويكفيها أثرها كي تبقى حاضرة في الذاكرة).
ونقول: ” حين تتجسد المعرفة في قامة، يصبح الصمت أبلغ من الكلام، ويغدو الحضور أقوى من الاستعراض؛ فالعظماء لا تصنعهم المنابر، بل تصنعهم عقولهم ، ولا ترفعهم الأصوات، بل يرفعهم رصيدهم من العلم والفكر”