منقذ سعيد.. نحات المنفى

محمد علي محيي الدين

لم يعد الموت، في حياة العراقيين، خبراً استثنائياً كما كان في الأزمنة البعيدة؛ فقد أثقلت الحروب والمحن والغيابات الطويلة أرواحهم، حتى غدا سماع أخبار الرحيل جزءاً من يومياتهم القاسية. غير أن رحيل المبدعين يظل مختلفاً، لأن الموت حين يخطف فناناً أو كاتباً أو شاعراً لا يغيب جسداً فحسب، بل ينتزع معه عالماً من الذكريات والتجارب والأحلام التي لا تتكرر. وتظل الذاكرة، في مثل هذه اللحظات، تستعيد الوجوه والأحاديث واللقاءات المؤجلة، كأنها شريط طويل لا تنتهي مشاهده، ولا سيما حين يكون الراحل صديقاً اعتاد المرء أن ينتظر منه اتصالاً أو موعداً جديداً، قبل أن يفاجئه الصمت الذي لا جواب بعده.
كان رحيل الفنان العراقي منقذ سعيد واحداً من تلك الأخبار التي يصعب تلقيها ببرود، على الرغم من أن مرضه الطويل جعل النهاية متوقعة في أذهان المقربين منه. لقد ظل خبر غيابه صادماً لأصدقائه ومحبيه وكل الذين عرفوه في حياته الدراسية والمهنية، أو اقتربوا منه في محطات غربته وتنقلاته. كان شخصية لا تخلو من التناقضات الإنسانية؛ يجمع بين الألفة والصراحة والصدق، وبين مزاج متقلب أحياناً، فرضته عليه طبيعة الحياة الشائكة التي اختار مواجهتها في مجتمعات لا تمنح الحالمين دائماً فرصة عادلة لتحقيق أحلامهم. لكنه، خلف تلك التقلبات، كان فناناً صلباً، يعرف ما يريد، ويؤمن بأن العمل الجاد هو الطريق الذي ينبغي أن يمضي فيه مهما اشتدت العوائق.
ظل منقذ حتى سنواته الأخيرة عاشقاً لفنه، مخلصاً لحرفته، يتعامل مع العمل الفني بجدية لا تعرف المساومة، ويمنحه من وقته وجهده ما يستحقه. كان يعمل بصمت، ويواصل التجريب حتى تكتمل الصورة التي يسعى إليها، ثم يقف أمام منجزه بشيء من الدهشة الساخرة، كأنه يرى للمرة الأولى ما صنعته يداه خلال ليالٍ طويلة من الانشغال. وربما كانت سخريته من نفسه ومن أعماله تعبيراً عن تواضع الفنان الحقيقي، الذي لا يتعامل مع ما ينجزه بوصفه نهاية الطريق، بل بداية سؤال جديد. فالإبداع، في نظره، لم يكن مجرد صنعة يتقنها، وإنما رحلة دائمة لاكتشاف الإمكانات الكامنة في المادة، وفي الإنسان، وفي الحياة نفسها.
عرفته في دمشق كما يقول قاسم حسن ، حين كان لا يزال طالباً في السنة الأولى من كلية الفنون الجميلة، وجمعتنا تجربة عمل في مرسم الفنان السوري نشأت رعدون، إلى جانب الفنان العراقي الموسيقي طه حسين. كنا نعمل كي نؤمّن حاجاتنا اليومية ونواصل دراستنا، في ظروف لم تكن سهلة، بعيداً عن الوطن، وفي ظل قلق دائم من مستقبل لا نعرف ما الذي يخبئه لنا. لم تكن تلك الأعمال مجرد وسيلة للعيش، بل كانت أيضاً اختباراً للقدرة على الصمود، ومحاولة لانتزاع مساحة صغيرة من الحياة في مواجهة واقع سياسي قاسٍ. وقد جاء احتضان الفنان نشأت رعدون لنا نوعاً من التضامن الإنساني مع شبان عراقيين دفعتهم الظروف إلى مغادرة بلادهم، حاملين أحلامهم وأسئلتهم ومخاوفهم.
في ذلك المحيط، نشأت علاقتي بمنقذ، وكان التعارف بيننا مكسباً متبادلاً، إذ جمعنا الهم العراقي، وألفتنا الغربة، ووحدنا الإيمان بأن الإنسان يستطيع أن يصنع لنفسه طريقاً، حتى حين تضيق الطرق من حوله. لم يكن منقذ بحاجة إلى انتماء حزبي أو شعار سياسي كي يثبت موقفه؛ فقد كان انتماؤه إلى نفسه وإلى وطنه واضحاً في اختياراته، وفي إصراره على بناء مستقبله بعيداً عن سلطة أرادت أن تحدد للناس مساراتهم وأفكارهم. كان طموحه الشخصي متصلاً بطموح أوسع لوطن يتمنى أن يراه حراً وطبيعياً، قادراً على احتضان أبنائه بدلاً من دفعهم إلى المنافي.
ولعل قصة خروجه من العراق تكشف جانباً مبكراً من شخصيته المتمردة على الخوف. فقد كان في السابعة عشرة من عمره، وهو سن لا يتيح عادة لشاب أن يتخذ قراراً مصيرياً بهذا الحجم، ولا سيما في ظروف سياسية وأمنية معقدة. لكنه اختار أن يشق طريقه بنفسه، متحدياً القيود التي كانت تحاصره، ومتحملاً مشقة الرحلة ومخاطرها. ووفق ما رواه صديقه في مقال الرثاء، فقد اجتاز الصحراء سيراً على الأقدام حتى وصل إلى الحدود السورية، من دون هوية أو بطاقة شخصية، مستنداً إلى ما كان يحمله من وثائق دراسية تثبت إكماله المرحلة الإعدادية. لم تكن الرحلة انتقالاً جغرافياً فحسب، بل كانت خروجاً مبكراً من دائرة الخوف إلى فضاء مجهول، اختار فيه أن يراهن على المستقبل، مهما كان ثمن ذلك الاختيار.
ومن اللافت أن هذا الشاب الذي واجه تلك المغامرة القاسية لم يكن يفكر بالفن وحده، بل كان يمتلك ميلاً إلى الهندسة والتخطيط، تجسد في مشروعه الذي تناول إنشاء قرية سياحية في أهوار العراق. وقد جمع المشروع بين الرؤية المعمارية والحس الفني، في محاولة مبكرة لتصور المكان العراقي بوصفه فضاءً للجمال والحياة، لا مجرد مساحة جغرافية. وكان المشروع، بحسب ما أورده كاتب المقال، جزءاً من طموحه الدراسي، ثم حاز درجة الامتياز. ولعل هذه الفكرة تكشف عن اتساع أفق منقذ، وعن قدرته على تجاوز الحدود التقليدية بين الفنون، إذ لم يكن يرى النحت معزولاً عن العمارة، ولا الجمال منفصلاً عن البيئة التي ينشأ فيها الإنسان.
في عام 1983 تخرج من كلية الفنون الجميلة في دمشق، وقد راكم خلال سنوات الدراسة تجارب ومشاركات في معارض فنية ضمت فنانين عراقيين وعرباً، فضلاً عن مشاركات جمعته بأساتذته وبعدد من رواد الفن التشكيلي العراقي الذين أقاموا في دمشق أو مروا بها في رحلات المنافي. كانت تلك المرحلة فرصة لتوسيع معارفه وصقل أدواته، والاحتكاك بتجارب متنوعة أسهمت في تشكيل رؤيته الفنية. ولم ينتظر طويلاً بعد التخرج حتى يبدأ مرحلة جديدة من حياته، إذ غادر إلى اليمن للعمل في التدريس، قبل أن تقوده رغبة التجربة إلى بلدان لم تكن مألوفة في مسارات الفنانين العراقيين آنذاك، مثل الصومال وإثيوبيا وجيبوتي.
لم يكن تنقله بين البلدان مجرد بحث عن مورد للعيش، بل كان أيضاً سعياً إلى اكتشاف أمكنة جديدة، والتعرف إلى ثقافات مختلفة، وترك أثر فني وإنساني في البيئات التي حل فيها. عمل في مجالات متعددة، وأسهم في إنجاز أعمال فنية ونصب تذكارية وشعارات وشارات، كما خاض تجارب في الديكور المسرحي والتلفزيوني. وهكذا اتسعت ممارسته الفنية لتشمل مجالات تتطلب مهارات مختلفة، من تشكيل الكتلة إلى بناء المشهد، ومن تصميم العمل المستقل إلى التعامل مع الفضاء العام. وفي كل تجربة كان يضيف إلى خبرته شيئاً جديداً، ويختبر حدود أدواته وقدرتها على التعبير.
وبعد عودته إلى دمشق، المدينة التي أحبها وشعر فيها بشيء من الاستقرار، واصل نشاطه الفني، ثم قاده طموحه إلى إيطاليا، ومنها إلى هولندا عام 1995، حيث سعى إلى بناء حياة أكثر استقراراً، ومواصلة دراسته العليا. وهناك ترك أعمالاً فنية في بعض الساحات والشوارع والمتاحف، لتصبح شواهد على حضور فنان لم يكن يتعامل مع الغربة بوصفها إقامة مؤقتة فحسب، بل كان يحاول أن يجعل منها مجالاً للعمل والإنتاج وإثبات الذات. ومع ذلك، فإن تعدد الأمكنة لم يلغِ علاقته العميقة بدمشق، التي عاد إليها لاحقاً ليستقر ويواصل نشاطه، وكأن المدن التي مر بها كانت محطات في رحلة طويلة، فيما ظلت دمشق واحدة من أكثر محطاتها قرباً إلى روحه.
في دمشق أنشأ معملاً للبرونز ومعرضاً دائماً لأعماله، واتخذ منهما منطلقاً لمواصلة نشاطه داخل المنطقة وخارجها. وانتشرت أعماله عبر معارض شخصية وأخرى جماعية في بلدان عديدة، منها كندا والولايات المتحدة ولبنان والإمارات وروسيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا وبلجيكا وألمانيا، فضلاً عن أماكن أخرى احتضنت تجربته. ولم يكن هذا الحضور الواسع مجرد دليل على كثرة مشاركاته، بل كان تعبيراً عن مثابرة فنان استطاع، رغم صعوبات المنفى والمرض وتقلبات الحياة، أن يصنع لنفسه مكاناً في مشهد تشكيلي متنوع، وأن يواصل العمل بعيداً عن الوطن الذي ظل حاضراً في وجدانه.
وليس من الإنصاف أن يمر ذكر منقذ سعيد من دون التوقف عند طبيعة تجربته النحتية، وإن كان مقام الرثاء لا يتسع لدراسة نقدية مفصلة لأعماله وتقنياته. فقد اتسمت تجربته برغبة واضحة في التجريب، والبحث عن إمكانات جديدة للتعبير، ولم يحصر النحت في مواده التقليدية أو أشكاله المألوفة. اتجه إلى استخدام مواد وتقنيات غير معتادة في بعض أعماله، مستفيداً من البلاستيك والبوليستر، ومن عناصر مثل الماء والرمل والإضاءة، بل استعان بالموسيقى والتكنولوجيا في تجارب سعت إلى توسيع حدود العمل الفني. وكان هذا التوجه يكشف عن عقل لا يكتفي بما هو متاح، بل يبحث عن طرائق جديدة لتشكيل العلاقة بين المادة والفضاء والمتلقي.
إن إدخال عناصر غير تقليدية إلى العمل النحتي ليس مجرد استعراض للمهارة أو رغبة في مخالفة المألوف؛ إنه، حين يصدر عن رؤية واعية، محاولة لإعادة التفكير في ماهية النحت ووظيفته، وفي الحدود الفاصلة بين الفنون. ومنقذ، بما امتلكه من خبرة وانفتاح على التجارب، كان يسعى إلى أن يجعل المادة شريكاً في التعبير، وأن يمنح الضوء والحركة والصوت والفضاء دوراً يتجاوز الزينة أو الإضافة الشكلية. ولعل تنوع اشتغالاته بين النحت والعمارة والديكور والتصميم يفسر هذا الميل إلى كسر الحدود بين الاختصاصات، وإلى النظر للفن بوصفه مجالاً مفتوحاً على الاحتمالات.
ومع ذلك، فإن الحديث عن منقذ سعيد لا يكتمل بالوقوف عند منجزه الفني وحده، لأن تجربته الإنسانية كانت جزءاً لا ينفصل عن تجربته الإبداعية. لقد عاش الغربة منذ عمر مبكر، وتوزعت سنواته بين بلدان وثقافات متعددة، وواجه متطلبات العيش والعمل، ثم أضاف المرض إلى حياته عبئاً جديداً. ومع كل ذلك ظل متمسكاً بحرفته، مؤمناً بأن العمل يمنح الإنسان قدرة على مقاومة الانكسار، وأن الفن يمكن أن يكون وسيلة لحفظ شيء من توازنه في عالم لا يكف عن تبديل ملامحه. غير أن هذا الإصرار لا ينبغي أن يحجب السؤال المؤلم الذي يرافق سيرة كثير من المبدعين العراقيين: كم من الطاقات كان يمكن أن تزدهر لو وجدت في وطنها مناخاً طبيعياً للعمل، ورعاية تحميها من العوز والعزلة، وتمنحها فرصة التفرغ للإبداع؟
لم يكن منقذ سعيد حالة منفردة في هذا المصير؛ فقد عاش كثير من الفنانين العراقيين تجربة المنفى، واضطروا إلى بناء حياتهم المهنية بعيداً عن بيئتهم الأولى، حاملين معهم ذاكرة البلاد وأسئلتها وآمالها المؤجلة. لكن منقذ، الذي غادر العراق شاباً، ظل يحمل في داخله صورة وطن يتمنى أن يكون مكاناً صالحاً للحياة والإبداع، لا سبباً للرحيل عنه. وربما لهذا اكتسبت حكايته شيئاً من الدلالة التي تتجاوز حدود سيرته الشخصية، لتصبح صورة لفنان عراقي شق طريقه في ظروف استثنائية، وأثبت حضوره في أماكن بعيدة، من دون أن تنقطع صلته بجذوره الأولى.
وفي المقال الذي نشره قاسم حسن بعنوان «الموت يخطف الفنان العراقي منقذ سعيد» في صحيفة «الحوار المتمدن»، العدد 2493، بتاريخ 12 كانون الأول 2008،- الذي هو مصدر هذه السيرة- تتجلى نبرة الصديق الذي لا يكتب عن فنان فحسب، بل عن رفيق درب تقاسمت معه الذاكرة مشقة البدايات وأحلامها. فالرثاء هنا لا يقوم على تعداد الإنجازات وحدها، بل يستعيد تفاصيل الإنسان، وطباعه، ومواقفه، ومشاغله اليومية، ويكشف مقدار ما يتركه غياب الصديق من فراغ في حياة من عرفوه. وتلك قيمة لا تقل أهمية عن التوثيق الفني؛ لأن تاريخ المبدعين لا تصنعه الأعمال والمعارض وحدها، بل تصنعه أيضاً العلاقات الإنسانية التي احتضنت تجاربهم، والظروف التي أحاطت بهم، والآثار التي تركوها في نفوس الآخرين.

رحل منقذ سعيد، لكن أعماله بقيت شاهدة على رحلة طويلة بدأت بقرار جريء في مقتبل العمر، وامتدت عبر مدن وبلدان، وانتهت إلى مواجهة المرض من دون أن يتخلى عن شغفه بالفن. بقيت أعماله في بعض الساحات والمتاحف، وبقيت ذكراه في قلوب أصدقائه، وبقيت حكايته تذكيراً بما يستطيع الفنان أن يحققه حين يمتلك الإرادة والموهبة، وبما يخسره العالم حين يترك المبدع يواجه مصيره وحيداً.
وداعاً يا منقذ؛ أيها الفنان الذي جعل من الغربة طريقاً إلى الإبداع، ومن التجريب لغةً خاصة، ومن الصدق سمةً في علاقاته. وداعاً أيها الصديق الذي كان يحلم بوطن يستطيع فيه أن يعيش حياة طبيعية، ويمنح فنه ما يستحق من وقت وطمأنينة. لم يكن الموت إلا نهاية الجسد، أما ما صنعته يداك، وما تركته في ذاكرة الذين عرفوك، فسيظل حاضراً ما دامت أعمالك تقاوم النسيان، وما دام هناك من يستعيد سيرتك ليقول إن فناناً عراقياً مر من هنا، وعاش مخلصاً لفنه، ورحل تاركاً وراءه أسئلة عن الوطن والمنفى والإنسان.

قد يعجبك ايضا
∧