شيركو حبيب
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمة سياسية عابرة، أو صراعاً تقليدياً بين دول تختلف مصالحها وحدود نفوذها، بل دخل مرحلة من التحولات العميقة التي قد تعيد تشكيل خريطة العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية في المنطقة. فما يجري اليوم يتجاوز المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والصراعات الممتدة في سوريا ولبنان واليمن والعراق، ليصل إلى سؤال أكبر يتعلق بطبيعة النظام الإقليمي الذي سيتشكل بعد هذه المواجهات.
نحن أمام شرق أوسط تتغير فيه موازين القوى، وتتراجع فيه حسابات قديمة، وتُختبر فيه تحالفات كانت تبدو ثابتة، بينما تسعى قوى إقليمية ودولية إلى تثبيت مواقعها وحماية مصالحها قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية. وفي خضم هذه الصورة المعقدة، تبرز القضية الكوردية بوصفها إحدى القضايا التي لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن مستقبل المنطقة.
ومن وجهة نظري، فإن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس فقط إلى أين يتجه الشرق الأوسط، بل أين سيكون موقع الكورد في المعادلة الجديدة؟ وهل يمتلكون القدرة على الانتقال من موقع الطرف الذي يتأثر بقرارات الآخرين إلى موقع الشريك الذي يشارك في صياغة القرارات المتعلقة بمستقبله؟
إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟
من الواضح أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد محصورة في حدود جغرافية محددة، بل امتدت تداعياتها إلى الخليج العربي ومضيق هرمز وأمن الطاقة والاقتصاد العالمي. وأصبحت دول المنطقة أمام تحديات أمنية وسياسية واقتصادية لا يمكن التعامل معها باعتبارها أزمات مؤقتة.
وتكشف التطورات الأخيرة في مضيق هرمز عن خطورة اتساع دائرة المواجهة. فقد نقلت وكالة رويترز في 30 تشرين الأول 2026 تصريحات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني بشأن اندلاع حرائق وانفجارات في ثلاث ناقلات نفط، كما نقلت ادعاءً إيرانياً بأن إحدى الناقلات اصطدمت بلغم بحري. لكن الوكالة أوضحت أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من تلك الادعاءات. وهذه نقطة مهمة، لأن أمن الملاحة والطاقة لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بمصالح الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، لا تزال المساعي الدبلوماسية مطروحة لتجنب اتساع المواجهة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في طبيعة التسوية التي قد تنهي الصراع، وما إذا كانت ستعالج جذور الأزمات أم ستؤجلها إلى مرحلة أخرى.
فالسؤال ليس فقط متى تتوقف الحرب، بل ماذا سيأتي بعدها؟ وهل ستعود المنطقة إلى التوازنات السابقة، أم أننا أمام مرحلة جديدة تختلف فيها طبيعة التحالفات ومراكز النفوذ؟
إن التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة، وتغير طبيعة الوجود العسكري الدولي، وتراجع أو إعادة ترتيب أدوار بعض القوى المسلحة، كلها مؤشرات على أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة، لا تزال ملامحها النهائية غير واضحة.
العراق وسوريا… في قلب المعادلة الجديدة
يحتل العراق موقعاً حساساً في هذه التحولات، فهو ليس مجرد دولة تتأثر بالصراع الإقليمي، بل ساحة تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإيرانية والتركية والعربية. وانتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش في العراق في 30 أيلول 2026 يضع بغداد أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على إدارة الملف الأمني، وحماية سيادة الدولة، ومنع تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وقد أكدت وزارة الدفاع البريطانية والقيادة المركزية الأمريكية انتهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق، مع الانتقال إلى مرحلة جديدة من التعاون الأمني الثنائي. لكن انتهاء المهمة العسكرية لا يعني انتهاء التحديات الأمنية، ولا يلغي الحاجة إلى استمرار التنسيق في مواجهة خلايا داعش ومنع عودة التنظيم.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل العراق دون التوقف عند العلاقة بين بغداد وأربيل. فاستقرار العراق يرتبط بمدى احترام الدستور وتطبيق النظام الاتحادي وحل الملفات العالقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان، بعيداً عن سياسة الضغوط ومحاولات فرض الأمر الواقع. إن العلاقة بين الطرفين يجب أن تقوم على الشراكة الدستورية، لا على منطق القوة أو استخدام الملفات الاقتصادية والمالية وسيلة للضغط السياسي.
أما سوريا، فقد دخلت بدورها مرحلة مختلفة بعد التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها. وأصبح ملف دمج المؤسسات والقوى العسكرية في إطار الدولة السورية الجديدة من أبرز القضايا التي ستحدد مستقبل البلاد.
وفي 25 آب 2026، أعلن مظلوم عبدي انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية بوصفها قوة عسكرية مستقلة، بعد استكمال عملية دمج قواتها في ألوية الجيش السوري، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية. لكن انتهاء الصيغة العسكرية المستقلة لا يعني أن جميع الأسئلة السياسية والدستورية المتعلقة بمستقبل الكورد قد حُسمت.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل ستتحول هذه الترتيبات إلى ضمانات دستورية وسياسية حقيقية للكورد، تحفظ حقوقهم القومية والثقافية والسياسية، وتضمن مشاركتهم في إدارة الدولة ومؤسساتها؟
إن بناء سوريا مستقرة لا يتحقق بإعادة إنتاج المركزية القديمة، ولا بمجرد تغيير شكل المؤسسات أو تبعية القوات العسكرية، وإنما ببناء دولة تعترف بالتنوع، وتحترم حقوق جميع مكوناتها، وتضمن مشاركة حقيقية في إدارة شؤون البلاد. فحقوق الكورد ليست مسألة أمنية مؤقتة يمكن تجاوزها بتفاهمات عسكرية، بل قضية سياسية ووطنية تحتاج إلى حلول واضحة ومستدامة.
الكورد… من الجغرافيا إلى التأثير السياسي
عندما نتحدث عن الكورد، فإننا لا نتحدث عن مجموعة سكانية تعيش في جزء من جغرافية الشرق الأوسط، بل عن شعب يمتلك تاريخاً سياسياً ونضالياً طويلاً، وله حضور في العراق وسوريا وتركيا وإيران، فضلاً عن امتداده في المجتمعات الأوروبية والدولية.
لقد أثبتت التجارب خلال العقود الماضية أن الكورد كانوا حاضرين في محطات مفصلية من تاريخ المنطقة، سواء في مواجهة الإرهاب أو الدفاع عن الاستقرار أو المشاركة في بناء المؤسسات السياسية. وكان لإقليم كوردستان العراق دور معروف في مواجهة تنظيم داعش، كما أصبحت تجربة الإقليم نموذجاً للحكم الاتحادي ضمن العراق، رغم ما واجهته من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية.
لكن المرحلة المقبلة تطرح مسؤوليات مختلفة. فلم يعد كافياً أن يكون للكورد حضور عسكري أو جغرافي، أو أن يحظوا باهتمام القوى الدولية في أوقات الأزمات. المطلوب هو أن يكون لهم حضور سياسي ودبلوماسي مؤثر في صياغة التفاهمات التي سترسم مستقبل المنطقة.
ومن وجهة نظري، فإن أخطر ما يواجه القضية الكوردية ليس فقط الضغوط الخارجية، بل أيضاً عدم الاستفادة الكاملة من الإمكانات السياسية والدبلوماسية التي يمتلكها الكورد. فقد دفع هذا الشعب أثماناً باهظة في صراعات المنطقة، وليس من المنطقي أن يجد نفسه مرة أخرى خارج طاولة التفاهمات التي تحدد مستقبل الشرق الأوسط.
وهنا ينبغي التمييز بين أهمية الدور الكوردي وبين الاعتقاد بأن القوى الدولية ستمنح الكورد مكاسب مجانية. فالتجارب أثبتت أن المصالح الدولية تتغير، وأن التحالفات التي تقوم على الضرورة العسكرية قد تتبدل عندما تتغير الظروف. ولذلك فإن الاعتماد على طرف دولي واحد لا يمكن أن يكون أساساً دائماً لحماية الحقوق والمكتسبات.
إقليم كوردستان… الوحدة الداخلية شرط للحضور الخارجي
لا يمكن للكورد أن يطالبوا الآخرين باحترام حقوقهم السياسية والدستورية، بينما تبقى خلافاتهم الداخلية عائقاً أمام بناء موقف موحد. وهذه ليست مسألة إدارية أو خلافاً على توزيع المناصب، بل قضية تتعلق بمستقبل المشروع السياسي الكوردستاني كله.
إن استمرار الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وتعثر تشكيل حكومة الإقليم، وتعطيل الدور الفاعل للبرلمان، تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات استراتيجية خطيرة.
وقد تناول تحليل نشره مركز جاتهام هاوس في 28 تشرين الأول 2026 هذه الأزمة، محذراً من أن استمرار الانقسام بين الحزبين الرئيسيين قد يضعف الحكم لإقليم كوردستان ومؤسساته المشتركة، ويفتح المجال أمام تدخلات إقليمية أوسع. كما أشار التحليل إلى استمرار تعثر تشكيل الحكومة، وإلى غياب الاجتماعات الفاعلة للبرلمان منذ أكثر من أربع سنوات.
وهذه قراءة تستحق الاهتمام، لأنها تضع الخلاف الداخلي في سياقه الإقليمي، وتوضح أن تداعيات الانقسام لا تتوقف عند توزيع المناصب أو إدارة المؤسسات، بل قد تمس مكانة الإقليم وقدرته على حماية صلاحياته الدستورية.
وهنا لا بد من التأكيد أن الاختلاف السياسي حق ديمقراطي، لكن تحويله إلى انقسام في المؤسسات والقرار والأمن والاقتصاد يضعف الجميع. فإقليم كوردستان يحتاج إلى حكومة فاعلة، وبرلمان يمارس دوره، ومؤسسات موحدة، وعلاقات متوازنة مع بغداد والدول الإقليمية والمجتمع الدولي.
إن الدور الذي اضطلع به الرئيس مسعود بارزاني في ترسيخ مكانة إقليم كوردستان وتعزيز علاقاته الإقليمية والدولية يمثل محطة مهمة في التجربة السياسية الكوردستانية. والحفاظ على هذه المكانة يتطلب توافقاً داخلياً ومؤسسات قادرة على مواصلة العمل بثبات، لأن قوة الإقليم الخارجية تبدأ من تماسك بيته الداخلي.
تركيا وإيران… حسابات مختلفة تجاه القضية الكوردية
لا يمكن قراءة مستقبل الكورد دون فهم طبيعة السياسات التركية والإيرانية. فكلتا الدولتين تنظران إلى المسألة الكوردية من زاوية ترتبط بأمنهما القومي وحساباتهما الداخلية والإقليمية، وإن اختلفت الأدوات والسياسات المتبعة.
تركيا تسعى إلى إعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية وإدارة الملف الكوردي في إطار حساباتها الأمنية والسياسية. كما أن مسار نزع سلاح حزب العمال الكوردستاني يفتح نقاشاً مهماً حول إمكانية الانتقال من المواجهة المسلحة إلى معالجة سياسية أكثر استقراراً. لكن نجاح هذا المسار لا يرتبط بالترتيبات الأمنية وحدها، بل بمدى قدرته على فتح المجال أمام حلول سياسية تعالج أسباب الصراع وتضمن الحقوق المشروعة.
أما إيران، فإن التطورات العسكرية والسياسية المحيطة بها تجعل الملف الكوردي جزءاً من حساباتها الأمنية، خصوصاً في ظل الحرب والتوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن الضروري أن يدرك الكورد أن تحويل مناطقهم إلى ساحات مواجهة بين القوى الإقليمية سيعرض أمنهم ومكتسباتهم لمخاطر كبيرة.
وفي هذا السياق، فإن الموقف الكوردي المسؤول يجب أن يقوم على حماية الحقوق والمصالح القومية، وعدم الانجرار إلى صراعات لا تخدم القضية الكوردية، مع التمسك بالحلول السياسية والحوار واحترام سيادة الدول.
الولايات المتحدة والقوى الدولية… المصالح قبل التحالفات
من الأخطاء السياسية الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أو أي قوة دولية أخرى ستتعامل مع القضية الكوردية باعتبارها قضية ثابتة خارج حسابات المصالح. فالعلاقات الدولية تقوم على المصالح المتبادلة، والتحالفات تتغير وفقاً للظروف والأولويات.
لقد أثبتت التجربة السورية أن الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة، مهما بلغت أهميتها، لا تعني بالضرورة ضماناً دائماً لمستقبل سياسي معين. كما أن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق يفرض على إقليم كوردستان إعادة تقييم أدوات علاقته بواشنطن، والانتقال إلى تعاون سياسي وأمني واقتصادي أكثر مؤسساتية.
وهذا لا يعني التقليل من أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة، بل يعني التعامل معها بواقعية سياسية، وبناء علاقات تقوم على المصالح المتبادلة والاتفاقات الواضحة، لا على التعويل وحده على مواقف قد تتغير بتغير الإدارات والأولويات.
ومن هنا، ينبغي توسيع العلاقات الكوردية مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وكذلك مع الدول العربية المؤثرة، وعدم حصرها في الجانب الأمني والعسكري. فالدبلوماسية والاقتصاد والاستثمار والتعليم والتكنولوجيا أصبحت عناصر أساسية في بناء المكانة السياسية لأي طرف.
الدور العربي وموقع مصر
في المعادلة الجديدة، لا ينبغي إغفال الدور العربي، ولا سيما دور مصر، التي تمتلك ثقلاً سياسياً ودبلوماسياً وتاريخياً في المنطقة.
إن استقرار العراق وسوريا، وحماية وحدة أراضيهما، وضمان حقوق مكوناتهما، تمثل قضايا تتقاطع مع المصالح العربية. ومن المهم أن تكون هناك رؤية عربية أكثر انفتاحاً تجاه القضية الكوردية، تقوم على فهمها بوصفها قضية حقوق وشراكة واستقرار، لا مجرد ملف أمني أو ورقة في صراعات الإقليم.
ولمصر تحديداً تاريخ من العلاقات مع الحركة الكوردية، ومن أبرز محطاته العلاقة التاريخية التي جمعت بالزعيم الخالد الذكر جمال عبد الناصر بالزعيم ملا مصطفى بارزاني الخالد ، حين أصبحت القاهرة إحدى المحطات السياسية المهمة في تاريخ الحركة الكوردية الحديثة.
وهذه الذاكرة السياسية يمكن أن تشكل أساساً لتعزيز الحوار والتواصل بين القاهرة وأربيل، وتطوير العلاقات في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية. فمصر بما تمتلكه من ثقل عربي ومكانة إقليمية تستطيع أن تسهم في تعزيز الحوار والتفاهم، وأن تتعامل مع القضية الكوردية من منظور الاستقرار والشراكة واحترام الحقوق.
ما المطلوب من الكورد في المرحلة المقبلة؟
أعتقد أن أمام الكورد مجموعة من الاستحقاقات السياسية التي لا تحتمل التأجيل.
أولاً، الحفاظ على وحدة الصف الكوردي، لأن الانقسام الداخلي يمنح الآخرين فرصة أكبر للتدخل في القرار الكوردي، ويضعف القدرة على الدفاع عن الحقوق والمكتسبات.
ثانياً، تثبيت الحقوق الدستورية لإقليم كوردستان في العراق، وعدم السماح بتحويل الخلافات السياسية إلى مدخل للتراجع عن النظام الاتحادي الذي أقره الدستور.
ثالثاً، دعم حل سياسي يضمن للكورد في سوريا حقوقهم القومية والسياسية والإدارية، ضمن دولة سورية موحدة تقوم على الشراكة والمواطنة والتعددية، وتبتعد عن سياسات الإقصاء والمركزية.
رابعاً، بناء علاقات متوازنة مع تركيا وإيران والولايات المتحدة والدول العربية، تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
خامساً، تطوير الدبلوماسية الكوردية، بحيث لا تقتصر على ردود الفعل تجاه الأزمات، بل تصبح قادرة على المبادرة وطرح الرؤى والمشاركة في صناعة القرارات الإقليمية.
سادساً، إدراك أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع مستقبلاً سياسياً آمناً، وأن بناء المؤسسات والاقتصاد والتعليم والاستقرار الداخلي هو الضمان الحقيقي لاستمرار أي تجربة سياسية.
الشرق الأوسط الجديد… هل يكون للكورد مكان على طاولة القرار؟
إن أخطر ما يمكن أن يواجه الكورد في هذه المرحلة هو أن تتكرر تجارب الماضي، عندما كانت القوى الكبرى تتفاوض على مستقبل المنطقة، بينما يجد الكورد أنفسهم أمام نتائج اتفاقات لم يكونوا طرفاً أساسياً في صياغتها.
لقد تغيرت الظروف، وتغيرت طبيعة الصراعات، وأصبح للكورد حضور سياسي وعسكري ودبلوماسي لا يمكن تجاهله. لكن هذا الحضور يحتاج إلى رؤية استراتيجية موحدة، وإلى قيادة سياسية تدرك أن المرحلة المقبلة ليست مرحلة الشعارات، بل مرحلة المصالح والتفاهمات وبناء الشراكات.
ولا ينبغي أن ينظر الكورد إلى التحولات الجارية باعتبارها فرصة لمواجهة دولة أو الانحياز إلى محور ضد آخر، بل باعتبارها فرصة لتثبيت حقوقهم وضمان أمنهم ومستقبلهم، من خلال علاقات متوازنة واحترام متبادل.
إن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بما ستقرره واشنطن أو طهران أو أنقرة أو تل أبيب، بل أيضاً بقدرة شعوب المنطقة ومكوناتها على فرض حضورها السياسي والمشاركة في صياغة مستقبلها.
وأخيراً، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه نحن الكورد على أنفسنا اليوم ليس فقط: ماذا سيحدث في الشرق الأوسط؟ بل: أين نريد أن نكون عندما تتشكل معادلاته الجديدة؟
فنحن الكورد لا نريد أن نكون وقوداً لحروب الآخرين، ولا ورقة تفاوض في صفقات إقليمية، ولا طرفاً ينتظر قرارات العواصم الكبرى. بل نحن نريد أن نكون شركاء في الاستقرار، وأصحاب حقوق معترف بها، وطرفاً فاعلاً في صناعة مستقبل المنطقة.
وهذا لن يتحقق بالانتظار أو التعويل على مواقف الآخرين، وإنما بوحدة الموقف، وقوة المؤسسات، ووضوح الرؤية، والدبلوماسية الواقعية.
فالشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم لن ينتظر أحداً، ومن لا يمتلك إرادته السياسية ووحدة موقفه وقدرته على الدفاع عن مصالحه، سيجد نفسه أمام واقع جديد رسمه الآخرون، لا أمام مستقبل شارك في اختياره وصناعته.
المصادر ومراجع
1. مركز جاتام هاوس – 28 أكتوبر 2026: تحليل الانقسام بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني وتأثيره على الحكم ومؤسسات الإقليم.
2. . وكالة رويترز – 30 أكتوبر 2026: تطورات مضيق هرمز والادعاءات الإيرانية بشأن الناقلات والألغام، مع تحفظ الوكالة على عدم التحقق المستقل من تلك الادعاءات
3. وزارة الدفاع البريطانية – 30 سبتمبر 2026: الإعلان الرسمي عن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق
4. . صحيفة الأهرام – 6 مارس 2017: مادة تاريخية عن العلاقة بين جمال عبد الناصر وملا مصطفى بارزاني
5. وزارة الخارجية الأمريكية – الوثائق التاريخية: وثائق العلاقات الأمريكية مع الحركة الكوردية في عهد ملا مصطفى بارزاني.