عطا شميراني
ليست العلاقة بين المثقف والسلطة قضية جديدة في التاريخ الإنساني، لكنها في عالم اليوم أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فمنذ أن بدأ الإنسان يفكر في طبيعة الحكم والعدالة والحرية، ظل السؤال قائمًا: هل ينبغي للمثقف أن يقترب من السلطة كي يؤثر في قراراتها، أم أن ابتعاده عنها هو الضمانة الأساسية لاستقلاله؟!
لم يكن سقراط موظفًا في بلاط حاكم، ولم يجعل من الفلسفة وسيلة للوصول إلى مواقع النفوذ. كان يطرح الأسئلة التي تُحرج أصحاب اليقين، ويختبر ادعاءات المجتمع بالحكمة والعدالة. وحين اصطدم بالنظام السياسي في أثينا، انتهت حياته بحكم الإعدام. أما أفلاطون، تلميذه الذي ورث عنه قلق السؤال، فقد ذهب أبعد من النقد، محاولًا التفكير في دولة يحكمها الفلاسفة، وساعيًا إلى التأثير في بعض حكام عصره. وبين الرجلين تتجسد مفارقة قديمة لا تزال حاضرة: أحدهما واجه السلطة بالسؤال، والآخر حاول الاقتراب منها لتغيير طريقة ممارستها.
لكن التاريخ لم يمنح أحد الطريقين ضمانة أخلاقية مطلقة. فالابتعاد عن السلطة لا يجعل المثقف مستقلًا بالضرورة، كما أن الاقتراب منها لا يجعله تابعًا حتمًا. المسألة تتعلق بما يحمله المثقف إلى مجلس الحاكم، وبما يتركه خلفه عندما يغادره.
في العالم المعاصر، لم تعد السلطة مجرد قصر رئاسي أو مؤسسة حكومية. إنها شبكة واسعة من المصالح السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية. وقد لا يحمل الكاتب منصبًا رسميًا، لكنه يستطيع التأثير في الرأي العام، أو المشاركة في منتديات دولية، أو تقديم المشورة لصناع القرار، أو بناء علاقات مباشرة مع رؤساء الحكومات ومراكز النفوذ. وفي المقابل، قد يجد نفسه أسيرًا لمؤسسة تمنحه الشهرة والانتشار، لكنها تتوقع منه أن يلتزم حدودًا غير معلنة في نقد أصحاب النفوذ.
وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية: هل يستخدم المثقف قربه من السلطة لفتح الأبواب أمام الحقيقة، أم تستخدم السلطة مكانته لتجميل صورتها؟!
ليس كل من يجلس إلى جوار الحاكم متملقًا، وليس كل من يقف في مواجهته صاحب قضية. فقد يكون المثقف القريب من دوائر القرار أكثر قدرة على منع خطأ أو تصحيح سياسة، بينما يكتفي آخر بإدانة الجميع من مسافة آمنة. وفي المقابل، قد يتحول القرب تدريجيًا إلى اعتماد مادي أو معنوي يجعل النقد مكلفًا، ثم يصبح الصمت عادة، والتبرير مهنة، والدفاع عن الحاكم دفاعًا عن الامتيازات الشخصية!
إن أخطر أشكال التبعية ليست تلك التي تُفرض بالقوة، بل التي تنشأ داخل النفس عندما يبدأ المثقف بتعديل أفكاره كي لا يخسر مقعده، أو بتخفيف نقده كي لا يفقد دعوته إلى لقاء، أو بتجاهل مأساة إنسانية لأن إدانتها قد تزعج حليفًا سياسيًا. عندئذ لا يحتاج الحاكم إلى إسكات المثقف؛ فالمثقف يتولى إسكات نفسه.
ولا تقتصر هذه المعضلة على الأنظمة الاستبدادية. ففي المجتمعات الديمقراطية أيضًا، يمكن للمصالح الاقتصادية والاستقطاب الحزبي وضغوط الجمهور أن تحدّ من استقلال الكاتب والمفكر. وقد يصبح المثقف أسيرًا لمعسكره السياسي، فيرى أخطاء خصومه بوضوح، لكنه يبحث لحلفائه عن الأعذار. وحين يفعل ذلك، فإنه يستبدل عبادة الحاكم بعبادة الموقف، ويخسر أهم ما يمنحه شرعيته: القدرة على الاحتكام إلى معيار واحد مهما اختلفت الأسماء والجهات!
من هنا، لا ينبغي قياس قيمة المثقف بعدد الرؤساء الذين التقاهم، ولا بعدد الدعوات التي يتلقاها، ولا بحجم حضوره في وسائل الإعلام. المعيار الأهم هو مقدار الحرية التي يحتفظ بها حين يصبح الصمت أكثر ربحًا من الكلام. هل يستطيع أن ينتقد من استقبله بالأمس؟ هل يستطيع أن يعترف بخطأ حليفه؟ وهل يملك الشجاعة ليقول للحاكم إن القرار الذي يراه ضروريًا قد يكون ظالمًا، وإن مصلحة السلطة ليست دائمًا مصلحة الدولة، وإن استقرار المجتمع لا يُبنى على إخفاء الحقيقة؟!
إن المثقف ليس عدوًا طبيعيًا للسلطة، كما أنه ليس موظفًا أخلاقيًا لديها. وظيفته أن يضع المعرفة في خدمة المجتمع، وأن يجعل القرار السياسي أكثر عقلانية، وأن يذكّر أصحاب النفوذ بأن القوة لا تتحول إلى حق لمجرد أنها قادرة على فرض إرادتها.
وقد يكون الاقتراب من السلطة ضرورة حين يتيح التأثير في مصائر الناس، لكن هذا الاقتراب ينبغي أن يكون مشروطًا باستقلال الضمير، لا بالتنازل عنه. فالمثقف الذي يدخل قصر الحاكم حاملًا أسئلته قد يخرج منه وقد غيّر شيئًا في الواقع؛ أما الذي يدخل حاملًا حاجته إلى رضا الحاكم، فقد يخرج وقد تغيّر هو نفسه دون أن يدرك.
في النهاية، لا تكمن بطولة المثقف في أن يبقى بعيدًا عن أبواب السلطة طوال حياته، ولا في أن ينجح في الوصول إلى مراكزها، بل في أن يعرف كيف يقترب من دون أن يفقد نفسه، وكيف يتحاور من دون أن يتحول إلى صدى، وكيف يختلف من دون أن يجعل الخصومة غايته.
فالسلطة قد تمنح المثقف مقعدًا إلى جوار الحاكم، لكن هذا المقعد لا يمنحه الحق في التحدث باسم الحقيقة. والحاكم قد يستمع إلى مئة مستشار، لكنه لا يحتاج إلى مثقف يكرر ما يريد سماعه؛ بل إلى عقل مستقل يجرؤ على إخباره بما لا يريد سماعه.
ذلك هو الامتحان الحقيقي للمثقف: ليس أين يجلس، بل ماذا يقول حين يصبح الكلام الصادق ثمنًا للقرب من السلطة.