تزرين يعقوب سولا
يموت الإنسان روحانيًا قبل أن يموت جسديًا، حين يسيطر عليه يقين بأنه لم يعد مؤهلًا لتقديم شيء، وأن الحياة لم تعد بحاجة إليه، وأن وجوده لم يعد يُحدث فرقًا في حياة أحد.
ولعل التقاعد من العمل إحدى اللحظات التي تكشف هذا الشعور بوضوح، فبعض الناس لا يغادرون وظائفهم فحسب، بل يغادرون معها جزءًا كبيرًا من حيويتهم، واهتمامهم، وشعورهم بأهمية وجودهم.
إنه موتٌ لا يُرى، ولا يُعلن عن نفسه بصوت مرتفع، بل يتسلل إلى الروح ببطء، حين يفقد الإنسان إيمانه بقدرته على العطاء.
يبدأ في الانسحاب من الحياة، لا لأنه لم يعد قادرًا، بل لأنه أصبح يعتقد أنه لم يعد كم هو.
مؤلم أن يصل الإنسان إلى مرحلة يشعر فيها بأن خبرته لم تعد مهمة، وأن أفكاره لم تعد تستحق الإصغاء، وأن حضوره لم يعد مرغوبًا فيه. أن ينظر إلى سنوات عمره، بما حملته من تجارب ومعرفة وتضحيات، ثم يتساءل في صمت: هل انتهى دوري حقًا؟
هل لم يعد لديّ ما أقدمه؟
المؤلم أكثر أن هذا الشعور قد لا يولد من داخل الإنسان وحده، بل قد تصنعه بيئة لا تُقدّر إلا الشهرة ، ولا ترى قيمة الإنسان إلا فيما يقدمه من منفعة مباشرة. فإذا تغيّر دوره، أو تراجع حضوره، أو تقدّم به العمر، أصبح يشعر وكأنه فقد حقه في أن يكون مهمًا
ولعل أكثر ما يحتاج إليه الإنسان في مراحل التحول أن يجد من يذكّره بأن قيمته لا تختصرها وظيفة، ولا يحددها منصب، ولا تنتهي بانتهاء مرحلة من حياته. وأن حاجته إلى الآخرين ليست دليل ضعف، كما أن حاجة الآخرين إليه ليست المقياس الوحيد لقيمته.
نحن بحاجة إلى ثقافة إنسانية لا تكتفي بالاحتفاء بالإنسان حين يكون في قمة عطائه، بل تحترمه أيضًا حين يتغير دوره، وتتراجع قدراته، أو يحتاج هو نفسه إلى من يسانده.
وبالمقابل، يحتاج الإنسان إلى ألا يجعل قيمته رهينة اعتراف الآخرين وحده، فالتقدير الخارجي مهم، لكنه لا ينبغي أن يكون المصدر الوحيد لشعوره بالجدارة. قد لا يرى الآخرون ما نملكه من إمكانات، وقد لا يمنحوننا المساحة التي نستحقها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أننا فقدنا قدرتنا على تقديم شيء ذي معنى.
لذلك، لا تجعلوا أحدًا يشعر بأن سنوات عطائه أصبحت سببًا لتجاوزه، ولا تدفعوا إنسانًا إلى الانسحاب من الحياة لأنه لم يعد في دائرة الضوء. امنحوا الخبرة مكانها، وأصغوا إلى الأصوات التي خفتت، وافتحوا أبواب المشاركة لمن لا يزال في داخله ما يستحق أن يُقال ويُقدَّم.
فكم من إنسان كان يحتاج فقط إلى كلمة تقدير، أو فرصة جديدة، أو شعور صادق بأن وجوده ما زال مهمًا، كي يستعيد ثقته بنفسه ويبدأ من جديد.
فليس أخطر ما يخسره الإنسان أن يفقد مكانه بين الناس، بل أن يفقد إيمانه بأن له مكان في الحياة.