*الإيزيديون الكورد: حُرّاسُ الهويّةِ الكوردستانيّةِ وخِزانُ الذّاكرةِ الحضاريّةِ في كوردستان*

كاوه عبان*

ليست صفحات التاريخ الإيزيدي مجرد حكاية عن ديانة عريقة حافظت على طقوسها ومقدساتها عبر القرون بل هي أيضاً سجل طويل من المواجهات والتضحيات والمقاومة فمن جبال شيخان إلى سفوح سنجار ومن وادي لالش إلى مناطق الجزيرة وبوتان ارتبط تاريخ الإيزيديين بتحولات سياسية وعسكرية عميقة شهدتها كوردستان وبلاد الرافدين.

وعلى امتداد قرون واجه هذا المجتمع حملات عسكرية ومحاولات إخضاع وتهجير واضطهاد ديني لكنه استطاع المحافظة على مؤسساته الروحية وذاكرته الجماعية وتراثه الشفهي ولغته الكورمانجية لدى غالبيته.

إن قراءة تاريخ الإيزيديين تقتضي تجاوز النظرة التي تحصرهم في المآسي التي تعرضوا لها، والعودة إلى تاريخهم السياسي والاجتماعي والعسكري وإلى الشخصيات والقيادات المحلية التي شاركت في الدفاع عن مناطقهم وصيانة وجودهم.

أولاً: الجذور التاريخية وبدايات الصدامات

تعود جذور المجتمع الإيزيدي إلى تاريخ طويل في شمال بلاد الرافدين والمناطق الجبلية من كوردستان، وقد تشكلت الديانة الإيزيدية عبر تفاعل تقاليد دينية محلية وإيرانية قديمة مع تطورات روحية واجتماعية لاحقة.

أما ظهور الجماعة العدوية المرتبطة بالشيخ عدي بن مسافر في القرن الثاني عشر فقد شكل محطة مفصلية في تنظيم الحياة الدينية والاجتماعية للإيزيديين.

وفي القرن الثالث عشر شهدت واحهت عدة صدامات مع السلطات السياسية والدينية في الموصل وكان مقتل حسن بن عدي سنة 1246م من أبرز تلك المحطات.

وأن التوترات لم تتوقف عند ذلك الحد بل امتدت إلى مراحل لاحقة عندما أصبحت لالش ومؤسساتها الدينية موضع تنافس وضغط من القوى السياسية المحيطة.

ثانياً: لالش وشيخان في مواجهة الحملات العسكرية

في سنة 1414، تعرض مركز الشيخ عدي في لالش لهجوم عسكري أدى إلى تدمير أجزاء من الموقع المقدس وتُعد هذه الحادثة من أبرز المحطات التي تكشف طبيعة الصراع بين المؤسسات الدينية الإيزيدية والقوى السياسية والعسكرية المحلية في ذلك العصر.

وفي القرون التالية ازدادت أهمية مناطق شيخان وسنجار بسبب موقعها الجغرافي وطبيعة تضاريسها الجبلية فضلاً عن دورها في الحفاظ على المجتمع الإيزيدي الكوردي الاصيل.

وقد شكلت هذه المناطق مراكز اجتماعية وروحية ذات خصوصية وظلت محاولات إخضاعها جزءاً من الصراعات التي شهدتها المنطقة.

ثالثاً: سنجار في مواجهة الحملات العثمانية

مع توسع النفوذ العثماني ومحاولات الإدارة المركزية فرض سلطتها على المناطق الجبلية دخل الإيزيديون في مواجهات متكررة مع السلطات العثمانية.

شهد القرنان الثامن عشر والتاسع عشر حملات عسكرية متعددة على سنجار وشيخان ارتبطت بالضرائب والتجنيد الإجباري ومحاولات فرض التحول الديني وإخضاع الزعامات المحلية.

وكان جبل سنجار يمثل ملاذاً دفاعياً مهماً فقد وفرت تضاريسه الوعرة وكهوفه وممراته الطبيعية إمكانات للمقاومة والصمود أمام القوات المهاجمة.

ومن أبرز الحملات التي ينبغي التوقف عندها حملات حسن باشا سنة 1715م، وأحمد باشا سنة 1733م، وسليمان باشا في منتصف القرن الثامن عشر إضافة إلى حملة سنة 1794م.

ثم جاءت حملات أوائل القرن التاسع عشر، ومنها حملة سنة 1802م وحصار سنجار خلال 1809–1810م، لتؤكد استمرار المواجهة بين المجتمع الإيزيدي والسلطات التي سعت إلى فرض السيطرة على مناطقه.

لم تكن هذه المواجهات كلها معارك نظامية بل شملت الحصار والعمليات العقابية ومصادرة الممتلكات ومقاومة السكان المحليين من الايزيديين الكورد.

رابعاً: مير محمد باشا الرواندوزي وصِدام سنة 1832

تُعد حملة مير محمد باشا أمير سوران المعروف ب (ميرێ كورە) على مناطق الإيزيديين في شيخان سنة 1832 من أكثر المحطات حساسية في التاريخ الكوردستاني.

فقد جاءت هذه الحملة ضمن مشروع توسعي لإمارة سوران وأدت إلى مواجهات دامية مع الزعامات الإيزيدية المحلية وأسفرت عن مقتل الأمير علي بك وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا.

وتكشف هذه الحادثة جانباً معقداً من تاريخ المنطقة إذ لم تكن جميع المواجهات في كوردستان بين قوى خارجية وسكان البلاد، بل شهد التاريخ أيضاً صراعات بين إمارات وزعامات محلية ايضا.

إن توثيق هذه الواقعة لا ينتقص من تاريخ أي إمارة كوردية بل يساعد على فهم التاريخ بعيداً عن الانتقائية ويحفظ ذاكرة الضحايا والأحداث كما وقعت.

خامساً: حصار سنجار ومقاومة الحملات العثمانية 1835–1837

شهدت ثلاثينيات القرن التاسع عشر تصاعداً في الحملات العثمانية على مناطق سنجار.

ومن أبرز هذه المحطات حملة رشيد باشا سنة 1836، ثم حصار حافظ باشا لجبل سنجار سنة 1837.

وقد لجأ السكان إلى الجبل مستفيدين من تضاريسه الوعرة في مواجهة القوات التي سعت إلى إخضاعهم للسلطة المركزية انذاك.

وكانت أسباب هذه الصدامات مرتبطة بالضرائب والتجنيد ورفض بعض الزعامات المحلية التخلي عن استقلالها فضلاً عن الضغوط الدينية التي تعرض لها الإيزيديون الكورد.

إن جبل سنجار لم يكن مجرد تضاريس جغرافية بل تحول عبر الزمن إلى رمز للصمود والملاذ والذاكرة الجماعية.

سادساً: حملة عمر وهبي باشا سنة 1892

تُعد حملة عمر وهبي باشا سنة 1892 واحدة من أهم المحطات في التاريخ الحديث للإيزيديين.

ففي إطار سياسة الدولة العثمانية لإخضاع الجماعات الدينية والمناطق التي لم تكن خاضعة بالكامل لسلطتها أُرسلت قوات عسكرية إلى مناطق الإيزيديين في الموصل وشيخان وسنجار.

وتضمنت الإجراءات فرض الضرائب والتجنيد ومحاولات تغيير المعتقد الديني كما تعرضت المؤسسات الدينية الإيزيدية لضغوط شديدة ووصلت تلك الإجراءات إلى مركزهم المقدس في لالش.

وقد واجه سكان سنجار الحملة بالمقاومة بينما تعرضت مناطق شيخان لتدخلات وضغوط قاسية.

وتبقى هذه الحملة شاهداً على الصراع الطويل بين إرادة المجتمع في الحفاظ على عقيدته وخصوصيته وبين سياسات الإخضاع التي مارستها السلطة العثمانية.

سابعاً: داود الداوود وانتفاضتا 1925 و1935

مع انتهاء الحكم العثماني وقيام الدولة العراقية الحديثة لم تنتهِ الصراعات في سنجار بل دخلت المنطقة مرحلة جديدة من المواجهة مع السلطة المركزية.

وبرز اسم داود الداوود بوصفه إحدى الشخصيات المحلية المهمة في تاريخ سنجار.

شهد عام 1925 حركة مسلحة ارتبطت بالاعتراض على السلطة المحلية والإدارة البريطانية ثم تطورت التوترات في المنطقة إلى انتفاضة أخرى سنة 1935 ضد الحكومة العراقية الملكية.

وكان رفض التجنيد الإجباري من أبرز دوافع انتفاضة 1935، إلى جانب الاعتراض على تدخل الحكومة في شؤون المنطقة وزعاماتها المحلية.

وقد تدخل الجيش العراقي بقوة كبيرة جدا لإخماد الحركة وانتهت الانتفاضة بفرض سيطرة الحكومة على المنطقة.

وتستحق هذه المرحلة دراسة مستقلة لأنها تكشف أن مقاومة الإيزيديين الكورد لم تكن محصورة في الدفاع عن المعتقد الديني بل شملت أيضاً قضايا الأرض والإدارة والحقوق المحلية.

ثامناً: سياسات التعريب والتهجير في القرن العشرين

شهدت مناطق سنجار خلال العقود اللاحقة سياسات حكومية أدت إلى تغيير بنيتها السكانية والجغرافية.

وخلال سبعينيات القرن العشرين، تعرضت قرى إيزيدية للتدمير والتهجير ضمن سياسات التعريب التي استهدفت مناطق كوردية في كوردستان العراق.

ونُقل السكان إلى مجمعات سكنية قسرية بنية إبعاد واضعاف ارتباط المجتمعات الايزيدية بأراضيها التاريخية وقراها الأصلية.

وكانت هذه السياسات جزءاً من تحولات سياسية وديموغرافية أوسع شهدتها المناطق الكوردية في كوردستان العراق.

تاسعاً: إبادة سنجار في 3 آب 2014

في الثالث من آب سنة 2014، تعرض الإيزيديون الكورد لأحد أبشع الفصول في تاريخهم الحديث عندما اجتاح تنظيم داعش الإرهابي قضاء سنجار.

ارتكب التنظيم جرائم قتل جماعي وخطف واستعباد جنسي وتهجير قسري واستهدف المدنيين على أساس هويتهم الدينية.

لجأ آلاف السكان إلى جبل سنجار حيث واجهوا ظروفاً إنسانية قاسية بينما اختُطف الآلاف من النساء والأطفال والرجال.

وقد وثقت الأمم المتحدة هذه الجرائم باعتبارها إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

كانت مأساة سنجار لحظة فارقة في التاريخ الإيزيدي لكنها كشفت أيضاً عن قدرة المجتمع على إعادة تنظيم نفسه ومقاومة محاولات اقتلاعه من أرضه.

عاشراً: تحرير سنجار ومعركة استعادة الوجود

في كانون الأول 2014، شهدت المنطقة عمليات عسكرية كبيرة لاستعادة مناطق واسعة حول سنجار بحيث شارك فيها قوات البيشمركة الابطال بقيادة الرئيس مسعود البارزاني مع تنظيم داعش الارهابي.

وقدّمت قوات البيشمركة تضحيات بشرية جسيمة خلال معارك الدفاع عن سنجار وتحريرها من تنظيم داعش، إذ أعلنت وزارة الداخلية في حكومة إقليم كوردستان أن عدد شهداء البيشمركة في تحرير سنجار وجبلها بلغ 500 شهيد، فضلاً عن نحو 3,000 جريح.

وعُقد المؤتمر الصحفي للرئيس مسعود بارزاني في سنجار يوم الجمعة 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، بمناسبة إعلان تحرير المدينة من سيطرة تنظيم داعش وقال الرئيس بارزاني “في هذا اليوم التاريخي سجلت قوات البشمركة ملحمة تاريخية وانأ هنا للإعلان عن تحرير سنجار”

ومع انتهاء سيطرة داعش على المدينة بدأت مرحلة جديدة لم تكن أقل صعوبة من المعركة العسكرية إذ بقيت آثار الإبادة والدمار والنزوح والمفقودين والاختطاف حاضرة في حياة المجتمع الايزيدي الكورد.

وفي السنوات التالية، أصبحت إعادة الإعمار وعودة السكان وتنظيم الوضع الأمني والإداري من أهم التحديات التي تواجه سنجار.

خاتمة: من ذاكرة المقاومة إلى مسؤولية التاريخ

إن تاريخ الإيزيديين ليس مجرد تاريخ للاضطهاد ولا يمكن اختزاله في عدد الفرمانات أو الحملات العسكرية التي تعرضوا لها.

إنه تاريخ مجتمع حافظ على مؤسساته الدينية وتراثه ولغته وذاكرته في ظل تحولات سياسية وعسكرية عاصفة.

من لالش إلى سنجار ومن مقاومة الحملات العثمانية إلى انتفاضات القرن العشرين وصولاً إلى مأساة عام 2014، تتجلى محطات متعددة من الصمود والدفاع عن الوجود.

وتبقى المسؤولية التاريخية أمام الأجيال الجديدة أن تحفظ هذه الوقائع من النسيان وأن توثق أسماء الضحايا والمقاتلين والقيادات والمواقع وأن تميز بين الحقيقة التاريخية والرواية الشفهية والاستنتاج السياسي.

فالتاريخ لا يُكتب لتجميل الماضي أو إخفاء أخطائه بل لحفظ الحقيقة وفهم الحاضر وصيانة ذاكرة الأجيال القادمة.

إن لالش ذاكرة روحية .. وسنجار ذاكرة مقاومة .. والإيزيديون فصل أصيل من فصول التاريخ الاجتماعي والحضاري لكوردستان.

*سفير فوق العادة لمنظمة امسام الأممية

قد يعجبك ايضا
∧