مبادرة المصرف العقاري بين المجمعات السكنية وحق المواطن في امتلاك منزل.. لماذا لا تشمل القروض الوحدات السكنية خارج المجمعات؟
د. الدكتور تحسين الحاج حميد ال حسن
تُعد أزمة السكن في العراق من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المواطنين ولا سيما الموظفين وأصحاب الدخول المتوسطة والشباب الذين يسعون إلى امتلاك منزل يوفر لهم الاستقرار الأسري والمعيشي. وفي ظل ارتفاع أسعار العقارات وتزايد كلفة البناء أصبحت المبادرات التمويلية التي يقدمها البنك المركزي العراقي من خلال المصرف العقاري تمثل فرصة مهمة لمساعدة المواطنين على امتلاك وحدات سكنية وتخفيف أعباء الإيجارات.
إلا أن هناك تساؤلاً مهماً يستحق الوقوف عنده ومراجعته من قبل الجهات المعنية وهو لماذا تقتصر الاستفادة من هذه المبادرة على شراء الوحدات السكنية داخل المجمعات السكنية دون أن تشمل الوحدات السكنية الواقعة خارج تلك المجمعات؟ فالمعروف أن أسعار الوحدات داخل العديد من المجمعات السكنية مرتفعة جداً إذ تتجاوز أسعار أقل وحدة سكنية في بعضها 300 مليون دينار عراقي بينما لا يغطي القرض العقاري قيمة الوحدة السكنية بالكامل الأمر الذي يجعل المواطن أمام أعباء مالية إضافية قد تفوق قدرته على السداد ويحول دون استفادته الحقيقية من المبادرة.
وفي المقابل نجد أن الوحدات السكنية خارج المجمعات توفر خيارات أكثر ملاءمة للطبقة المتوسطة والموظفين إذ يبلغ سعر بعض الوحدات السكنية بمساحة 100 متر مربع نحو 150 مليون دينار وقد تصل إلى 185 مليون دينار بحسب الموقع والمواصفات وهذا الفارق السعري يمنح شريحة واسعة من المواطنين فرصة واقعية لامتلاك منزل يتناسب مع إمكاناتهم المالية وقدرتهم على تسديد القروض.
إن الهدف من المبادرات السكنية لا ينبغي أن يقتصر على تنشيط الاستثمار داخل المجمعات أو دعم مشاريع عقارية محددة بل يجب أن يكون جوهرها تمكين المواطن العراقي من امتلاك مسكن مناسب بشروط تمويلية ميسرة. ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في الضوابط والتعليمات المنظمة للقروض العقارية بما يسمح بتوسيع نطاق المبادرة لتشمل شراء الوحدات السكنية خارج المجمعات وفق ضوابط قانونية وفنية واضحة تضمن سلامة العقار وتسجيله رسمياً وتحافظ على حقوق المصرف والمواطن في آن واحد.
إننا ندعو البنك المركزي العراقي ووزارة المالية والمصرف العقاري إلى دراسة هذا المقترح بجدية وفتح المبادرة أمام المواطنين الراغبين بشراء وحدات سكنية خارج المجمعات السكنية مع وضع آليات تضمن وصول التمويل إلى مستحقيه وتوسيع خيارات الاقتراض بما يتناسب مع قيمة العقار ودخل المواطن وإمكاناته المالية. كما يمكن للمصرف العقاري أن يؤدي دوراً أوسع من خلال توظيف موارده الذاتية والمساهمة في دعم هذه السياسة التمويلية إلى جانب الأموال المخصصة للمبادرة بما يعزز قدرته على خدمة أكبر عدد ممكن من المواطنين.
إن معالجة أزمة السكن لا تتحقق بمجرد إنشاء المجمعات السكنية أو توزيع الأراضي وإنما بتوفير حلول تمويلية واقعية تتناسب مع دخول المواطنين وأسعار الوحدات السكنية في مختلف المناطق. فليس من العدالة أن تتوفر المبادرة التمويلية ولا يستطيع الموظف أو المواطن من ذوي الدخل المتوسط الاستفادة منها بسبب ارتفاع أسعار الوحدات المشمولة بها.
إن توسيع المبادرة لتشمل العقارات خارج المجمعات السكنية يمثل خطوة اقتصادية واجتماعية مهمة تسهم في تحريك السوق العقارية وتنشيط قطاع البناء وتوفير فرص عمل وتعزيز الاستقرار الأسري. فالسكن ليس امتيازاً لفئة دون أخرى بل حق أساسي لكل مواطن عراقي ومن واجب المؤسسات المالية أن تجعل التمويل أداة حقيقية لتحقيق هذا الحق.
المطلوب اليوم أن تكون مبادرة البنك المركزي والمصرف العقاري مبادرة للمواطن أينما اختار مسكنه وليس للمجمعات السكنية وحدها فالعراق يتسع للجميع وحق امتلاك منزل يجب أن يكون متاحاً للموظف والشاب والأسرة العراقية وفق إمكاناتهم وقدرتهم على السداد.)))