موازنة 2027 والغبن المالي لإقليم كوردستان، أين تتحقق العدالة في توزيع الثروات؟

د. ایوب صابر گلالی

تأتي موازنة العراق لعام 2027 كساحة جديدة للصراع المالي والسياسي بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كوردستان في أربيل، هذا الخلاف لم يعد يقتصرعلى كيفية توزيع الأموال أو الإيرادات النفطية وغير النفطية، بل يعكس مشكلة أعمق تتعلق بالنظام الفيدرالي في العراق، وحدود السلطات الدستورية، وكيفية إدارة الثروات والحقوق بين المؤسسات الحكومية.
تصرالحكومة الاتحادية أن الإيرادات العامة يجب أن تخضع لمعاييرموحدة من الشفافية والمراقبة لضمان حماية المال العام وتوزيع الموارد بشكل عادل، أما إقليم كوردستان فيرى أن معالجة الالتزامات المالية يجب أن تستند إلى الدستور ومبدأ الشراكة الفيدرالية، وألا تتحول الإجراءات المالية إلى وسيلة لتقليص صلاحياته أو حقوقه المالية، مع هذه المواقف المتباينة تظهرالحاجة لمقاربة قانونية واقتصادية متوازنة تضع المصلحة العامة والاستقرارالمالي في المقدمة، وكذلك اعتماد معاييرعادلة توازن بين الرقابة المالية والحقوق الدستورية للإقليم.
من القضايا الرئيسية في الموازنة تأتي قضية النفط، وخاصة المادة (10) التي تلزم الإقليم بتسليم 445 ألف برميل يوميًا لشركة “سومو” للتصدير أو لوزارة النفط الاتحادية، كما تضع قيودا على إبرام عقود جديدة خارج الإطارالفيدرالي، هذه الالتزامات تثير تساؤلات حول مدى توافقها مع الترتيبات الدستورية المتعلقة بإدارة الثروات الطبيعية وصعوبة تطبيقها بسبب الظروف الفنية والمالية في الإقليم.
يعتمد موقف إقليم كوردستان على الدستور العراقي لعام 2005، خاصة المواد (111) و(112) و(115)، التي تشكل الإطار القانوني لمناقشة ملكية النفط والغاز وإدارة حقول الطاقة، المادة (111) تؤكد ملكية النفط والغاز للشعب العراقي، بينما تنظم المادة (112) إدارة الحقول بالتعاون بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم، فيما تمنح المادة (115) أولوية للقانون الإقليمي في الاختصاصات غيرالحصرية للسلطات الاتحادية، ومن ثم فإن معالجة الملف النفطي تستوجب احترام التوازن الدستوري وعدم اختزال العلاقة بين بغداد وأربيل في التزامات مالية أحادية الجانب.
لا يتوقف الخلاف عند الصلاحيات الدستورية بل يشمل العقود النفطية والتكاليف المرتبطة بها، الإقليم يعتمد عقود مشاركة الإنتاج مع شركات أجنبية مختلفةً عن عقود الخدمة في القطاع الفيدرالي، ولذلك فإن تحديد كلفة الإنتاج والنقل وآليات تسديد مستحقات الشركات يمثل عنصراً أساسياً في تقييم جدوى تسليم الكميات المطلوبة، خصوصاً إذا لم تأخذ المعادلة المالية في الاعتباراختلاف الظروف الجيولوجية والتشغيلية والاستثمارية بين حقول الإقليم وحقول وسط العراق وجنوبه.
تجدر الاشارة ان الأمورتعقدت أكثر مع توقف تصدير نفط الإقليم عبرخط الأنابيب إلى ميناء جيهان التركي منذ اذار 2023، مما أثرعلى الإيرادات وزاد الضغط على جميع الأطراف، لذا إلزام الإقليم بتسليم كميات محددة من النفط لن يحل الأزمة دون اتفاق واضح حول تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين ومستحقات الشركات، فنجاح أي ترتيب نفطي يتطلب توافقاً بين الالتزامات القانونية وإمكانات التنفيذ الفعلية، وإلا تحول النص المالي إلى مصدر جديد للنزاع بدلاً من أن يكون أداة لتسويته.
وتظل حصة إقليم كوردستان من الموازنة، المحددة بنسبة 12.67% وفق المعادلة المشار إليها في ترتيبات الموازنة نقطة خلاف أساسية، خاصة عندما ترتبط بمستوى الإنفاق الفعلي بعد استبعاد بعض النفقات الاتحادية، وفي هذا السياق يتمسك الإقليم بألا تقل حصته عن 14.14% استناداً إلى نسبة السكان وفق تعداد السكان لعام 2024، باعتبارها أساسا ضروريا لتحقيق العدالة في توزيع الموارد وضمان التمثيل السكاني المنصف، ويقتضي حسم هذه المسألة اعتماد البيانات الرسمية للتعداد السكاني، وتوضيح الأسس الحسابية والقانونية المعتمدة في تحديد الحصة، بما يضمن عدم الانتقاص من استحقاقات الإقليم.
إن اعتماد نسبة أقل من النسبة التي يطالب بها الإقليم من دون تسبيب واضح يستند إلى معايير موضوعية وبيانات دقيقة، يثير تساؤلات بشأن عدالة توزيع الموارد ومدى مراعاة الاستحقاق السكاني والاحتياجات المالية، كما أن ربط الحصة بالإنفاق الفعلي قد يؤدي إلى تقليص المبالغ المخصصة للإقليم بسبب تأخر تنفيذ النفقات الاتحادية أو تراجعها، رغم استمرارالتزاماته التشغيلية، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والخدمات العامة، ولذلك فإن العدالة المالية تقتضي اعتماد الية مستقرة وشفافة لا تجعل استحقاقات الإقليم رهينة لعوامل خارجة عن إرادته.
ويشعر إقليم كوردستان بأن ربط التمويل بالخلافات النفطية والسياسية يضع مواطنيه وموظفيه أمام أعباء لا يتحملها المواطنون في بقية العراق بالقدرذاته، كما أن تأخر صرف المستحقات أو تقييدها بصورة متكررة قد يكرس شعوراً بالغبن المالي، ولا سيما إذا لم تُطبق المعاييرذاتها على الإيرادات والالتزامات في جميع أنحاء البلاد، وتستوجب هذه المسألة مراجعة موضوعية في ضوء المادة (14) من الدستور التي تقر بالمساواة أمام القانون، مع مراعاة طبيعة النظام الفيدرالي والحقوق المالية المترتبة عليه.
المديونية المتراكمة والإيرادات غيرالنفطية تشكل مشاكل إضافية تشير لضعف التسوية المالية بين بغداد وأربيل، حيث تتضمن الموازنة مطالبات مالية تمتد لسنوات تصل إلى 12.775 تريليون دينارخلال ثلاث سنوات، الإقليم يشدد على تسوية عادلة تشمل الحقوق المالية السابقة التي يعتبرها مستحقة نتيجة تحديات مثل مواجهة داعش واستضافة النازحين.
الحكومة الاتحادية تؤكد ضرورة توحيد السياسة الجمركية وتحويل الإيرادات غيرالنفطية للخزينة العامة لمنع أي تفاوت تجاري يؤثر على المنافسة وحماية المنتج الوطني، غير أن الوصول إلى تسوية عادلة يتطلب تدقيقاً مشتركاً للحسابات، وتحديداً واضحاً للإيرادات والنفقات والالتزامات المتبادلة، بما يمنع الانتقائية في المطالبات ويضمن حقوق الطرفين، فلا يمكن تحقيق التوازن المالي من خلال مطالبة طرف واحد بتسوية التزاماته دون التحقق الشامل من حقوقه المقابلة.
تأثيرات الموازنة تتجاوزالملف المالي لتشمل التعيينات وتمويل المؤسسات التعليمية، وقف التعيينات قد يزيد الضغط على سوق العمل مع ارتفاع أعداد الخريجين وقلة فرص العمل.
حل أزمة الموازنة بين بغداد وأربيل يتطلب بناء إطار قانوني ومالي ثابت بدلاً من الاعتماد على شروط سنوية متغيرة، يجب البدء بالتوافق حول قانون اتحادي ينظم قطاع النفط ويتضمن آليات لتحديد حصة الإقليم وتمويل الرواتب والخدمات، مع تدقيق مشترك للمديونيات والإيرادات غير النفطية لتجنب نزاعات مستقبلية.
باختصار، لن تحقق الموازنة أهدافها بمجرد فرض الالتزامات أو التشدد في الرقابة، بل تحتاج شراكة قائمة على أسس واضحة للمساءلة وتسوية الحسابات لتحقيق الاستقرارالمالي والاقتصادي المطلوب للعراق.

قد يعجبك ايضا
∧