انس الشيخ مظهر
في الثالث والعشرين من أيلول الماضي، وعلى هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، وخرجا باتفاق يقضي بأن تبسط بغداد سلطة الدولة الكاملة على قضاء شنكال وتُنهي وجود المجموعات المسلحة التي تصفها بالأجنبية وغير الشرعية، مقابل أن تسلّم أنقرة قاعدة بعشيقة إلى الحكومة العراقية على مراحل. وبعد نحو شهر من ذلك الاتفاق بدأت القوات الاتحادية تتسلّم المواقع على جبل شنكال، وأُعلن عن دمج «وحدات مقاومة شنكال»، وعددها أكثر من أربعة آلاف مقاتل، في القوات الرسمية، فاعترض إقليم كوردستان لأن أحدًا لم يستشره في أمر يرتبط مصيره به ارتباطًا مباشرًا، وجاء ردّ بغداد بأن أمن شنكال شأن اتحادي خالص لا يشاركها فيه أحد. وهذا الرد يبدو في ظاهره حاسمًا وقاطعًا، لكنه عند التدقيق لا يجيب عن شيء مما قاله الإقليم، لأن الإقليم لم يتحدث عن حقه في إدارة الأمن الاتحادي، بل تحدث عن اتفاق وقّعته بغداد بنفسها ثم تجاهلته.
فأربيل لا تطلب مقعدًا إلى جانب أردوغان على طاولة المفاوضات، لأن العلاقات مع الدول تُدار من بغداد ولا خلاف على ذلك في كوردستان، وإنما تسأل سؤالًا واضحا وهو:-
“هل يحق لحكومة وقّعت مع الإقليم في تشرين الأول 2020 اتفاقًا مكتوبًا برعاية الأمم المتحدة يحدد من يدير شنكال ومن يحميها وكيف يعود أهلها النازحون إليها، أن تعقد بعد ست سنوات تفاهمًا مع دولة أخرى يمسّ الأمور نفسها، ثم تقول لشريكها في ذلك الاتفاق إن الأمر لا يعنيه؟”
فالاتفاق الثنائي بين بغداد وأنقرة لا يلغي اتفاقًا سابقًا وقّعته بغداد مع أربيل، ولا يعفيها من التزاماتها فيه، حتى لو كانت السياسة الخارجية من اختصاصاتها الحصرية .
والمفارقة أن بغداد نفسها تنقض حجتها من حيث لا تعلم، فقد قال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة إن أنقرة تتخذ من وجود حزب العمال الكردستاني ذريعة لإبقاء قواتها في العراق، وإن دمج المقاتلين في القوات الرسمية سيسحب هذه الذريعة من يدها ويساعد على إنهاء الوجود العسكري التركي. وهذا اعتراف صريح بأن ما يجري على جبل شنكال مرتبط بملف تركي، أي أن الإجراء يُطرح للرأي العام على أنه من أجل تركيا وعلاقة العراق بها، ثم يُقال للإقليم في الوقت نفسه إنه شأن داخلي لا يستدعي أن يُسأل فيه أو يُستشار.
والأهم من ذلك كله أن ما يُنفَّذ اليوم على الأرض هو نصف اتفاق 2020 فقط، وهو النصف الذي تريده أنقرة، فالشق الأمني يسير بسرعة لافتة، بينما الشق الإداري الذي يحتاجه أهل شنكال تعطّل ست سنوات كاملة دون أن يتحرك فيه أحد، وبقي الكثير من اهل شنكال في المخيمات بعيدًا عن بيوتهم، وقد أعلنت أربيل قبل نحو عام أن أيًّا من بنود الاتفاق لم يُنفَّذ. فالصورة التي تظهر للمتابع أن بغداد تُسرع حين تطلب أنقرة منها أمرًا، وتتباطأ حين يطلب أهل الأرض منها حقًا.
وهنا نصل إلى لبّ المسألة، وهو المادة 140 من الدستور العراقي، فشنكال ليست قضاءً عاديًا يمكن لبغداد أن تحسم مصيره بقرار أمني، بل هي من المناطق المتنازع عليها التي رسم لها الدستور طريقًا واضحًا من ثلاث مراحل، تبدأ بالتطبيع، ثم الإحصاء، ثم استفتاء يقرر فيه أهل المنطقة مصيرهم بأنفسهم. وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا عام 2019 أن هذه المادة تبقى ملزمة إلى أن تُستكمل متطلباتها، وأن مرور الموعد الذي حدده الدستور دون تنفيذها لا يعني أنها سقطت أو انتهى العمل بها. ولا نقصد هنا إن تطبيق هذه المادة تمنح الإقليم شنكال تلقائيًا، وإنما نقول أنه لا يجوز أن يُحسم وضع منطقة متنازع عليها من الباب الخلفي للترتيبات الأمنية قبل أن يُستكمل المسار الذي رسمه الدستور، ومن يفرض اليوم أمرًا واقعًا على الأرض هو يمحو هذا المسار بيده ويجعل النص الدستوري حبرًا على ورق متى تعارض مع الحسابات السياسية الآنية.
ثم إن موقف الإقليم من الأساس لا يدافع عن السلاح ولا عن أي فصيل مسلح، فقد وصف مسؤولوه وجود حزب العمال الكردستاني في المنطقة بأنه غير قانوني منذ البداية وأيّدوا نزع سلاحه، وخلاف اربيل مع بغداد ينحصر في الطريقة التي تجري بها الأمور وفي الجهة التي تتخذ القرار وليس في المبدأ نفسه ، لأن من يملك هذه الحجة لا يستطيع أحد أن يتهمه بحماية فصيل أو بتعطيل سلطة الدولة.
هناك جوانب كثيرة لم تنل حقها في موضوع شتكال ، وفيها ما يمكن لكوردستان أن تبني عليه موقفها وتحركها، وأهمها:
● مصير المقاتلين داخل الحشد الشعبي, فقد أعلن رئيس الوزراء أن المقاتلين سينضمون إلى الحشد الشعبي، فهل ان تغيير الزي والانتماء الرسمي يعني أن هذه الجماعة غير الرسمية قد غادرت فعلًا كما ينص اتفاق 2020، أم أنها غيّرت اسمها فقط ؟ وهل ستقبل تركيا بهذه الصيغة وهي التي تعدّ هؤلاء المقاتلين امتدادًا لحزب العمال؟
● ربط معسكر بعشيقة بأداء بغداد في شنكال, فقد جاء في البيان المشترك أن تسليم قاعدة بعشيقة سيتم بالتدريج في ضوء التقدم المحقق في الإجراءات الأمنية العراقية، أي أن انسحاب تركيا مرتبط بما تفعله بغداد في شنكال، وهذا يعني ان المنطقة وأهلها تحولوا إلى ورقة مقايضة بين دولتين. وقاعدة بعشيقة نفسها أُقيمت عام 2015 بموافقة إقليم كوردستان، ولذلك يجب أن يُسأل عن مصيرها حين يُراد إغلاقها.
● تآكل الذريعة الأمنية التركية , فقد أعلن حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه في أيار 2025، وجرت في تموز من العام نفسه مراسم رمزية لتسليم السلاح، وكلما ضعفت الذريعة الأمنية التي تتمسك بها أنقرة ضعف معها مبرر العجلة في فرض الترتيبات، وقويت حجة الإقليم في أن الوقت متاح لبناء ترتيب عادل ومتفق عليه بهدوء بدل ترتيب يُفرض في أسابيع قليلة.
● الحاجة الميدانية إلى البيشمركة, فقد حُرّرت شنكال من تنظيم داعش في تشرين الثاني 2015 بجهد البيشمركة وبإسناد جوي من التحالف الدولي، وقد قدّم الاقليم في ذلك خمسمئة شهيد وثلاثة آلاف جريح. وأن مناطق انتشار البيشمركة تتماس مع مناطق القوات الاتحادية في تضاريس جبلية وعرة، ولا يمكن ضبط الأمن فيها دون تنسيق ميداني بين الطرفين. ولهذا فإن الحل الواقعي ليس شعارًا يُرفع، بل إدارة أمنية وإدارية مشتركة بين بغداد وأربيل في شنكال إلى أن تكتمل مراحل المادة 140.
غير أن الدفاع عن الحق لا يكفيه بيان يصدر بعد وقوع الأمر، والإقليم مطالَب بأن ينتقل من “الاعتراض المتأخر” إلى العمل المبكر المنظَّم، وهذا ممكن عبر خطوات محددة يمكن أن يبدأ بها ومن أهمها:
● مخاطبة بغداد رسميًا والمطالبة بتفاصيل عن التفاهمات العراقية التركية المتعلقة بشنكال، والدعوة إلى اجتماع عاجل لوضع آلية تشاور دائمة، مع التأكيد أن التعاون في ضبط السلاح غير المنضبط لا يعني القبول بأي ترتيب يتجاوز الدستور أو يستبق حسم الوضع النهائي للمنطقة.
● خطة مكتوبة لتنفيذ المادة 140 و تشكيل فريق دستوري وسياسي متخصص يعدّ خطة مكتوبة تحدد الخطوات المطلوبة والجهات الاتحادية المسؤولة عن كل خطوة وجدولًا زمنيًا ومتابعة دورية معلنة، لأن المادة لن تتحول إلى واقع بتكرار الاستشهاد بها، وإنما بمسار تنفيذي متواصل يحمّل كل جهة مسؤوليتها.
● دراسة المسار القضائي بجدية و فحص الإجراءات الاتحادية المحددة التي قد تمسّ اختصاصات الإقليم الدستورية أو تخالف الضوابط الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، وتقديم طعن أمام المحكمة الاتحادية العليا حيث يتوافر الأساس القانوني، دون الوعد بأن ذلك سيلغي اتفاقًا دوليًا بأكمله، لأن النتيجة تتوقف على طبيعة الإجراء المطعون فيه، لكن عدم ضمان النتيجة ليس مبررًا لترك الطريق القانوني دون استخدام.
● جعل أهل شنكال شركاء حقيقيين و إشراك الإيزيديين وممثليهم المحليين في أي معالجة سياسية أو أمنية، لأن مستقبل المنطقة ليس خلافًا بين بغداد وأربيل فقط، ولأن من حق السكان أن يعرفوا كيف ستُدار منطقتهم، وما الضمانات المقدمة لعودتهم وإعمار بيوتهم وحماية حقوقهم.
● الاستفادة من الدور الدولي و الاستناد إلى دور الأمم المتحدة، راعية اتفاق 2020، في دعم الحوار ومتابعة التنفيذ عبر آلية مشتركة بأهداف قابلة للقياس تشمل الإدارة والأمن والإعمار وعودة النازحين، مع توضيح للشركاء الدوليين أن الإقليم لا يريد تعطيل سلطة الدولة العراقية، وإنما يريد منع استخدام التفاهمات الأمنية وسيلة لتجاوز الدستور.
إن شنكال ليست ملفًا أمنيًا يُغلق بتوقيع، ولا حدودًا تُسلَّم من يد إلى يد، وإنما هي قضية شعب نُكب قبل اثني عشر عامًا ولا يزال ينتظر العودة إلى أرضه، ولا يليق بدولة تريد أن تكسب ثقة أبنائها أن تحسم مصيرهم في غيابهم. وموقف كوردستان واضح وهو انه مع سلطة الدولة وضد السلاح خارج الدولة، لكنه ضد أن يُتخذ الأمن طريقًا مختصرًا للالتفاف على الدستور وعلى الشريك وعلى أهل الأرض أنفسهم.