أمة صنعت التاريخ… فمتى تستعيد دورها الحضاري؟

     
الدُّكْتُورُ تَحْرِيرُ طٰهَ عَبْدِ الْإِلٰهِ الْعَامِرِيِّ*
 
ليست الأمم العظيمة تلك التي تتغنى بماضيها فحسب، بل تلك التي تجعل من تاريخها منطلقًا لبناء حاضرها، ومن تجارب أجدادها أساسًا لصناعة مستقبلها، فالتاريخ، مهما بلغ مجده، لا يمنح أصحابه مكانة دائمة ما لم يصاحبه عمل متواصل، وعلم متجدد، وإرادة قادرة على تحويل الإمكانات إلى منجزات.
لقد شهدت الحضارة العربية والإسلامية مراحل مشرقة أسهمت فيها في بناء المعرفة الإنسانية، وبرز علماؤها في ميادين الطب والرياضيات والفلك والفلسفة والعلوم، ونشطت حركة التأليف والترجمة والنقاش الفكري، وأصبحت مدن مثل بغداد ودمشق وقرطبة مراكز للعلم والثقافة والتفاعل الحضاري، ولم يكن هذا الحضور نتيجة الاعتزاز بالهوية وحده، بل ثمرة الاهتمام بالعلم، وتشجيع المعرفة، والانفتاح على تجارب الأمم، ثم نقدها وتطويرها والإضافة إليها.
إن استحضار هذا التاريخ لا ينبغي أن يكون وسيلة للتفاخر المجرد، وإنما فرصة لفهم العوامل التي صنعت ازدهاره، والظروف التي أسهمت في تراجعه،فالحضارات لا تتقدم بالأمجاد الموروثة، ولا تتراجع بسبب عامل واحد، بل تتأثر بمنظومة متشابكة من الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبقدرة مجتمعاتها على الاستجابة للتحولات والتحديات.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: ماذا قدم أجدادنا للعالم؟ بل: ماذا نقدم نحن للعالم اليوم؟
إن الأمم التي تحجز لنفسها موقعًا مؤثرًا في العصر الحديث هي التي تستثمر في الإنسان، وتحترم المعرفة، وتمنح التعليم والبحث العلمي مكانتهما الحقيقية، وتتيح للعقول المبدعة أن تعمل وتنتج دون أن تحاصرها البيروقراطية أو يثقلها الإحباط،فالعالم لا ينتظر من الأمم أن تروي له أمجادها القديمة بقدر ما ينتظر منها أن تقدم حلولًا لمشكلاته، وإسهامات في علومه، وأفكارًا تضيف إلى رصيد الإنسانية.
والمفارقة المؤلمة أن بعض المجتمعات التي تمتلك رصيدًا تاريخيًا وثقافيًا غنيًا لا تزال تعاني تحديات في التعليم والبحث العلمي والإنتاج المعرفي، وليس المقصود بذلك الانتقاص من شعوبنا أو إنكار ما تحققه من نجاحات، وإنما التنبيه إلى الفجوة التي قد تتسع بين عظمة الموروث وإمكانات الحاضر،فالاعتراف بالتحديات ليس ضعفًا، بل هو الخطوة الأولى نحو معالجتها.
إن استعادة الدور الحضاري لا تبدأ من الخطابات الكبرى وحدها، وإنما من تفاصيل الحياة اليومية: من مدرسة تحترم عقل الطالب، وجامعة تشجع البحث الأصيل، ومؤسسة تضع الكفاءة فوق المحاباة، ومجتمع يقدر المعلم والعالم والمبدع، وإدارة تؤمن بأن المسؤولية تكليف وليست امتيازًا، وتبدأ أيضًا من ترسيخ ثقافة احترام القانون، وصيانة المال العام، وقبول النقد، والاعتراف بالخطأ، لأن الحضارة ليست مباني شاهقة ولا مظاهر مادية فحسب، بل منظومة قيم وسلوك ومؤسسات.
وليس من الإنصاف أن نحمّل الأجيال الحاضرة وحدها مسؤولية كل ما تعانيه مجتمعاتنا، كما ليس من الحكمة أن نعفيها من واجب الإصلاح بحجة الظروف والتحديات، فلكل جيل مسؤولية تتناسب مع قدرته وموقعه، وأولى خطوات النهوض أن يتحول الشعور بالأزمة إلى وعي بأسبابها، ثم إلى عمل منظم لمعالجتها.
كما أن الاعتزاز بالهوية العربية والإسلامية لا يتعارض مع الانفتاح على الحضارات الأخرى، بل إن التجربة التاريخية نفسها تقدم شواهد على أن التفاعل المعرفي كان أحد روافد الازدهار، فالأمم الواثقة من هويتها لا تخشى التعلم من غيرها، ولا ترى في الاستفادة من تجارب الآخرين انتقاصًا من مكانتها، وإنما تدرك أن المعرفة الإنسانية أوسع من أن تحتكرها أمة واحدة.
إننا بحاجة إلى مصالحة حقيقية بين ماضينا وحاضرنا؛ مصالحة لا تقدس الماضي إلى حد تعطيل الحاضر، ولا تنبهر بالحاضر إلى حد التنكر للجذور، نحتاج إلى قراءة تاريخنا بعقل الباحث، لا بعاطفة المتفاخر وحدها، وإلى استلهام قيمه العلمية والأخلاقية، لا الاكتفاء بترديد أسماء علمائه وإنجازاتهم.
لقد كان لأمتنا حضور مؤثر في صفحات التاريخ، لكن التاريخ لا يمنح شهادات نجاح أبدية، فكل جيل مطالب بأن يقدم ما يثبت استحقاقه لمكانته، وكل مجتمع مدعو إلى تجديد أدواته، وإصلاح مؤسساته، وإطلاق طاقات أبنائه.
إن الأمة التي صنعت صفحات مضيئة في تاريخ الإنسانية قادرة على الإسهام في مستقبلها، متى أدركت أن المجد لا يُورث، وأن الحضارة لا تُستعاد بالأمنيات، وإنما تُبنى بالعلم والعمل والعدل واحترام الإنسان.
فهل نجعل من تاريخنا ذاكرة نتغنى بها، أم رسالة نستكملها بجهودنا؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا، لا انتظارًا لإجابة من الماضي، بل استعدادًا لصناعة إجابة تليق بالمستقبل.

*باحث ومؤلف في العقيدة والفكر الإسلامي، وأديب وصحفي  وروائي

قد يعجبك ايضا
∧