الكورد.. شعب رفض أن يكون ورقة في صراعات الآخرين

مهند محمود شوقي

دعونا نكون منصفين، ونقرأ التاريخ السياسي للمنطقة بواقعية تتجاوز الشعارات التي اعتادت شعوبنا سماعها منذ نشوء دولها الحديثة. فمن القوميين إلى الإسلاميين، ومن الليبراليين إلى الاشتراكيين، تعاقبت الأفكار والأنظمة، وتغيرت أسماء الحكام وراياتهم، لكن الشعوب بقيت تدفع أثمان الصراعات ذاتها، وكأن مهمتها أن تصدق كل مشروع جديد قبل أن تكتشف أن الوعود القديمة لم تغادر مكانها.
من الناصرية إلى البعثية، ومن مشاريع الوحدة القومية إلى صراعات المذهب والدين، وصولاً إلى استدعاء خلافات تاريخية مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرناً، ظلت المنطقة تبحث عن شرعية السلطة أكثر مما بحثت عن حقوق الإنسان. وفي كل مرحلة كان هناك من يتحدث باسم الأمة أو الوطن أو العقيدة، بينما تضيق المساحة المتاحة للمواطن ليقرر مصيره بعيداً عن إرادة الحاكم.
وسط هذا التاريخ المضطرب، ثمة سؤال يستحق التوقف عنده: لماذا استطاع الكورد، رغم افتقادهم دولة قومية مستقلة، الحفاظ على قضيتهم السياسية وهويتهم ووجودهم، بينما تراجعت مشاريع كثيرة امتلك أصحابها الدول والجيوش والحدود المعترف بها دولياً؟
للإجابة، علينا العودة إلى السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، يوم أعادت القوى المنتصرة ترتيب جغرافية المنطقة فوق أنقاض الدولة العثمانية. كانت اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 إحدى محطات ذلك الترتيب، قبل أن تأتي معاهدة سيفر عام 1920 لتفتح باباً مشروطاً أمام احتمال قيام كيان كوردي، ثم معاهدة لوزان عام 1923 التي ثبتت واقعاً إقليمياً مختلفاً، من دون أن تتضمن ضماناً مماثلاً لقيام دولة كوردية.
لم تختف كوردستان من الجغرافيا، لكن أجزاءها أصبحت ضمن دول تشكلت أو أعيد تثبيت حدودها السياسية في تلك المرحلة. ومع مرور السنوات تحولت الحدود الجديدة إلى حقائق سيادية، بينما أصبح الحديث عن الحقوق الكوردية في نظر حكومات عديدة تحدياً لوحدة الدولة، حتى عندما تعلق الأمر باللغة أو الثقافة أو المشاركة السياسية.
وهنا تبرز المسألة التي كثيراً ما يتجاوزها المؤرخون المنشغلون بتاريخ الحكومات: هل كان الكورد جزءاً من مشاريع السيطرة على المنطقة، أم كانوا في معظم محطات نضالهم يحاولون الدفاع عن وجودهم داخل خرائط لم يشاركوا في رسمها؟
لا أجد في قراءة التاريخ الكوردي ما يسمح باختزال هذه القضية في مجرد صراع على السلطة. فقد شهدت الحركة الكوردية خلافات داخلية وتحالفات متغيرة، وتأثرت مثل غيرها بحسابات الدول الكبرى، لكنها احتفظت بمطلب سياسي لم تستطع الأنظمة المتعاقبة إنهاءه بالقوة، وهو الاعتراف بحقوق شعب له لغته وأرضه وتاريخه.
ولنأخذ العراق مثالاً، لا لأنه يمثل التاريخ الكوردي بأكمله، بل لأنه يقدم واحدة من أكثر التجارب وضوحاً في العلاقة بين السلطة المركزية والقضية الكوردية.
منذ قيام المملكة العراقية عام 1921، لم تكن العلاقة بين بغداد والمناطق الكوردية مستقرة. شهدت السليمانية انتفاضات الشيخ محمود الحفيد، وتواصلت المواجهات في مناطق أخرى، ثم برزت الحركة البارزانية بوصفها أحد أهم مسارات النضال الكوردي. ولم تتوقف القضية عند سقوط الملكية عام 1958، فقد تغير النظام السياسي، لكن الخلاف بشأن طبيعة الدولة وحقوق الكورد استمر.
حتى اتفاقية الحادي عشر من آذار عام 1970، التي حملت وعداً بالحكم الذاتي، لم تستطع إنهاء النزاع، بعدما تعثرت تسويتها السياسية وتجدد القتال عام 1974. ثم جاءت اتفاقية الجزائر عام 1975 بين العراق وإيران لتكشف جانباً بالغ الخطورة من طبيعة العلاقات الإقليمية، إذ كان وقف الدعم الإيراني للحركة الكوردية أحد العوامل الحاسمة في انهيار الثورة آنذاك.
تلك الواقعة وحدها تستحق دراسة سياسية مستقلة، لأنها تكشف كيف يمكن لقضية شعب أن تدخل حسابات الدول، وكيف تستطيع المصالح المتغيرة أن تقلب موازين الصراع دون أن تنهي أسبابه.
ومع ذلك، لم يكن عام 1975 نهاية القضية الكوردية.
تواصل النضال، وتواصلت معه المآسي. من تهجير البارزانيين والاعتقالات والسجون والمنافي إلى تدمير آلاف القرى، ومن حملات الأنفال عام 1988 إلى القصف الكيميائي لحلبجة في العام نفسه، دفع الكورد ثمناً إنسانياً هائلاً. ولم تكن نقرة السلمان، ولا الجبال التي لجأت إليها العائلات، ولا طرق النزوح نحو إيران وتركيا، مجرد أسماء وأماكن في ذاكرة سياسية، بل شواهد على العلاقة القاسية بين سلطة امتلكت أدوات الدولة وشعب حاول الاحتفاظ بحقه في الحياة.
ومع كل تلك الأحداث، ينبغي أن نسأل: ماذا كان سيبقى من القضية الكوردية لو أن معيار بقائها اقتصر على القوة العسكرية أو الدعم الخارجي؟
الجواب نجده في استمرارها رغم تبدل موازين القوى.
فخلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، لم تكن الحركة الكوردية كتلة واحدة في مواقفها وتحالفاتها، لكنها لم تتخل عن مطالبها القومية لمصلحة الشعارات التي رفعتها بغداد. وكذلك لم يكن غزو الكويت عام 1990 حرباً اختارها الكورد، وإن كانت تداعياته قد ساهمت في تغيير واقعهم السياسي بعد انتفاضة عام 1991، وما أعقبها من حماية دولية أتاحت نشوء تجربة حكم ذاتي أكثر رسوخاً.
وفي عام 1992، دخل الكورد مرحلة جديدة بإجراء انتخابات برلمانية وتشكيل مؤسسات الحكم في إقليم كوردستان. كانت التجربة تواجه تحديات اقتصادية وأمنية وانقسامات داخلية مؤلمة، لكنها أسست لواقع سياسي أصبح لاحقاً جزءاً من البناء الدستوري للعراق.
وبعد سقوط النظام السابق عام 2003، شارك الكورد في صياغة العراق الجديد، ولم يطرحوا أنفسهم بوصفهم قوة تسعى إلى إلغاء الدولة العراقية، بل طرفاً يريد إعادة تأسيسها على قاعدة الشراكة والاعتراف الدستوري بالتعددية.
وجاء دستور عام 2005 ليعترف بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة، ويقر النظام الاتحادي، فضلاً عن تضمينه المادة 140 المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها. غير أن الاعتراف الدستوري لم يكن كافياً لإنهاء الخلافات بشأن الصلاحيات والموارد والأرض، إذ بقيت ملفات أساسية معلقة رغم مرور أكثر من عقدين على تغيير النظام.
ثم جاء استفتاء الخامس والعشرين من أيلول عام 2017 ليكشف مجدداً حجم الفجوة بين إرادة غالبية المشاركين فيه وبين حسابات الدول الإقليمية والقوى الدولية. فقد صوتت أغلبية ساحقة لصالح الاستقلال، بينما رفضت بغداد الاستفتاء وعارضته دول مجاورة وقوى دولية مؤثرة.
ولم يكن الاستفتاء اعترافاً دولياً بدولة جديدة، ولم يحقق الاستقلال الذي تطلع إليه مؤيدوه، لكنه سجل حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: أن قضية الهوية والحق في تقرير المصير لم تختف بعد قرن من التحولات والحروب والاتفاقيات.
وقف العالم أمام تلك النتيجة محكوماً بمصالحه وحساباته، فيما رأى كثير من الكورد في صناديق الاقتراع تعبيراً عن وجودهم وذاكرتهم الجماعية، أكثر من كونها مجرد مواجهة سياسية مع بغداد.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
لم يكن الكورد بمنأى عن لعبة المصالح الدولية، ولا يصح الادعاء بأن جميع قراراتهم التاريخية كانت مستقلة عن تأثير القوى الخارجية. فقد عرف تاريخهم تحالفات إقليمية ودولية، كما عرف صراعات داخلية وخيارات سياسية قابلة للنقد. لكن الفارق بين أن تستفيد قضية من تقاطع المصالح وبين أن تتحول إلى أداة بلا إرادة، هو قدرة أصحابها على الاحتفاظ بأهدافهم بعد انتهاء تلك المصالح.
وهذه القدرة كانت إحدى أهم نقاط القوة في التجربة الكوردية.
اليوم، ومع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وما يتركه التنافس الإقليمي من ضغوط على العراق، تتجدد أهمية هذا الدرس. فإقليم كوردستان يقع في جغرافيا حساسة، وتربطه علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع أطراف تختلف مصالحها وربما تتصادم. ولا يمكن لأي قيادة مسؤولة أن تتجاهل هذه المعادلة أو تتصرف وكأن الجغرافيا لا تفرض التزاماتها.
لكن حماية المصالح الكوردية لا تعني الدخول في حروب الآخرين، مثلما أن بناء العلاقات الدولية لا يقتضي تحويل أرض كوردستان إلى ساحة لتصفية الحسابات. إن الموقف السياسي الأكثر قدرة على الصمود هو الذي يميز بين الشراكة والتبعية، وبين التعاون والتورط، وبين الدفاع عن الحقوق والمشاركة في صراعات لا تخدم أصحاب تلك الحقوق.
ولعل من أهم ما يمكن استخلاصه من قرن كامل من التاريخ أن الانتصار لا يقاس دائماً بعدد المعارك التي يكسبها شعب، ولا بعدد المرات التي يعلن فيها استقلاله، بل بقدرته على منع الآخرين من إنهاء قضيته، مهما امتلكوا من أدوات القوة.
لقد تغيرت أنظمة العراق مرات عديدة، وسقطت شعارات، وتبدلت تحالفات، وانتهت حروب لتبدأ أخرى. أما القضية الكوردية فبقيت حاضرة، وانتقلت من الجبال والمنافي إلى المؤسسات والبرلمان والدستور والعلاقات الدولية.
وهذا لا يعني أن الكورد حققوا جميع أهدافهم، أو أن تجربتهم خالية من الأخطاء، وإنما يعني أن شعباً تعرض لكل تلك التحولات استطاع الحفاظ على قدر مهم من هويته وقراره السياسي.
فالكورد لم ينتصروا لأن القوى الكبرى اختارتهم في لحظة من التاريخ، بل لأن قضيتهم بقيت قائمة حتى بعد أن غيرت تلك القوى اختياراتها.
ولعل الدرس الذي ينبغي أن تتعلمه شعوب منطقتنا من هذه التجربة هو أن الدول تستطيع رسم الحدود، والحكومات تستطيع فرض سلطتها، والتحالفات تستطيع تغيير موازين القوة، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة إرادة شعب أو إلغاءها.
فأخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة ليس أن تخسر معركة، بل أن تقبل بأن تصبح مجرد قطعة على رقعة سياسية يحركها الآخرون وفق مصالحهم. وتلك هي المعركة التي ظل الكورد يخوضونها عبر أجيال، وما زالت نتائجها تكتب حتى اليوم.

قد يعجبك ايضا
∧