نداء الى النخبة المسيحية العراقية في المهجر

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

أتوجه بهذا النداء إلى النخبة المسيحية العراقية في المهجر، داعيًا إياها بمحبة ورجاء إلى دعم المسيحيين في العراق ومساندتَهم للبقاء في وطنهم، والحفاظ على وجودِهم التاريخي وهويتِهِم وإرثِهم الإنسانيّ والثقافيّ والروحيّ والوطنيّ المتميز. فالمسيحيون العراقيون بحاجةٍ إلى وقفةٍ تضامنيٍّة جادة، في ظلِّ التطورات الراهنة والتحديات التي تُهدد مستقبلَ وجودِهم في أرضِ أجدادِهم.
وقد تَحَدَّثتُ مع بعضِ الأصدقاء حول هذا الموضوع الحساس، ووجدت أن الحاجة باتَت مُلحة للانتقال من تشخيص الأزمة إلى التفكير في حلول عملية تسهم في حماية هذا الوجود وتعزيز مقومات استمراره.
أولًا: أسباب انحسار الوجود المسيحي
يُمكن تحديد عددٍ من الأسباب التي أسهمت في تراجع الوجود المسيحي في العراق، مع الإقرار بأن هذه الأسباب متداخلة، وأن بعضَها يرتبط بالأوضاع العامة وبعضها الآخر بالتحديات التي تواجه المجتمع المسيحي على وجه الخصوص.
1. ضعف مؤسسات الدولة وسيادة القانون.
لم تنجح الحكومات المتعاقبة في ترسيخ دولة مستقلة تقوم على المواطنة والعدالة وبسط سيادة القانون، وتكافح الفساد، وتحمي حقوق المواطنين، وتعمل على استعادة الممتلكات المستولى عليها بغير وجه حق.
2 . عدم الشعور بالأمان والاستقرار المُستدام
فقد المسيحيون، شأنهم شأن كثيرٍ من العراقيين، الثقة بإمكانيّة تحقيق استقرار دائم في المستقبل القريب، وإنهاء الصراعات والتهديدات وانتشار السلاح خارج إطار الدولة. كما أن استمرار التوترات الإقليمية والمخاوف من اندلاع حروب جديدة يُعمّق الشعور بعدم الأمان، ويعزز الرغبة في الهجرة بحثًا عن حياة أكثر امناً واستقرارًا.
3. الهجرة واستنزاف الكفاءات
شكّلت الهجرة أحد أبرز العوامل التي أضعفت الوجود المسيحي في العراق. فقد غادر البلاد عدد كبير من المسيحيين، بينهم أطباء وأكاديميون ومثقفون وأصحاب أعمال وشخصيات سياسية، الأمر الذي أدى إلى استنزاف جانب مهم من الطاقات العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المسيحي. ولا تزال الهجرة مستمرة، مما يُثير مخاوف جدية بشأن مستقبل هذا الوجود.
.4 الانقسامات الحزبيّة والقوميّة أضعف التنسيق بينها
أسهمت الانقسامات الداخلية بين المسيحيين في إضعاف الموقف المشترك. كما أن ارتباط بعض الأفراد أو الجماعات بالأحزاب النافذة، أحيانًا بدافع الحصول على مناصب أو وظائف أو امتيازات حدّ من فرص بناء موقف موحد يدافع عن حقوق المسيحيين ومصالحهم. ومن المؤسف أن يتحول الاختلاف في الرؤى المتعلقة بالهوية والتاريخ والانتماء القومي إلى سبب للتناحر بدلًا من أن يكون مدخلًا إلى الحوار والتفاهم. إن احترام الهويات الكلدانية والآشورية والسريانية يشكل اساسًا ضروريًا لبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والشراكة.
على الرغم من تعدد الأحزاب والتنظيمات التي ترفع شعارات الدفاع عن حقوق المسيحيين ومصالحهم القومية والوطنية، فإن نتائج عملها لم ترقَ إلى مستوى التحديات التي يواجهها المجتمع المسيحي. وهذا يستدعي مراجعة برامجها وأساليب عملها، وتقييم إنجازاتها، وتعزيز التنسيق بينها بما يخدم المصلحة العامة.

5. أهمية استقلالية دور الكنائس
أثّرت التدخلات السياسية في دور بعض المؤسسات الكنسية، وأثارت تساؤلات بشأن مدى استقلالية مواقفها وقدرتها على الدفاع عن حقوق المسيحيين ومصالحهم وممتلكاتهم. ومن الضروري الحفاظ على استقلالية الكنيسة وتمكينها من أداء دورها الاجتماعي والإنساني والوطني بحرية، بعيدًا عن الضغوط الحزبية والسياسية.
6. تراجع ثقافة القراءة والحوار
أرى أن هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على جانب كبير من حياتنا الثقافية والفكرية أسهمت في انتشار المعلومات المبتورة، وتسريع الأحكام، وتصاعد السجالات التي تفتقر أحيانًا إلى العمق والمعرفة والموضوعية. وهذه ظاهرة تستحق التأمل، ولا سيما عندما تتحول المنصات الرقمية إلى بديل عن القراءة المتأنية والحوار الجاد.
إن ثقافة الكتاب تختلف عن ثقافة التصفح السريع؛ فالكتاب يُتيح التعمق في الأفكار، ومراجعة الآراء، وبناء المعرفة بصورة متراكمة، بينما قد يكتفي المتلقي في وسائل التواصل الاجتماعي بمعلومة عابرة من دون التحقق من مصادرها أو وضعها في سياقها الصحيح. إذا أردنا التقدم، فعلينا أن نعيد الاعتبار إلى ثقافة الكتاب وأن نشجع النقد الموضوعي والنقاش القائم على المعرفة والأدلة. إن بناء مجتمع واعٍ ومتماسك يحتاج إلى ثقافة عميقة وحوار مستمر، لا إلى الاكتفاء بالمعلومات السريعة والأحكام المتعجلة وتبادل الاتهامات والسجالات العابرة.
هذه بعض الأسباب التي أرى أنها أسهمت في انحسار الوجود المسيحي في العراق، ويمكن للقراء إضافة أسباب أخرى أو مناقشة ما ورد هنا، بما يثري الحوار ويساعد على فهم أبعاد المشكلة بصورة أشمل.

ثانيًا: مقترحات للنخبة المسيحية في المهجر
نحن بحاجة إلى رؤية اجتماعية وسياسية وثقافية متكاملة، تنطلق من فهم واقعي للتحديات التي يُواجهها المسيحيون في العراق، وتضع حلولًا عملية قابلة للتنفيذ. ولا تقتصر حاجتنا على الدعم المالي، بل نحتاج إلى الأفكار الخلاقة والخبرات المهنية والاستشارات العلمية والمبادرات الاقتصادية والاجتماعية التي تساعد الراغبين في البقاء على أرض الوطن، وتحفظ لهم مقومات الحياة الكريمة، قبل أن يؤدي استمرار الهجرة إلى مزيد من تراجع وجودهم في مناطقهم التاريخية.
وفي هذا السياق، أقترح ما يأتي:
1. تأسيس منظمات وشبكات تعاون
يمكن إنشاء منظمات أو شبكات متخصصة تهدف إلى تطوير الشراكات، وتعزيز القدرات، وتبادل الخبرات والاستشارات، وربط الكفاءات العراقية في المهجر بالمؤسسات والمبادرات المحلية. وينبغي أن تعمل هذه الشبكات وفق أهداف واضحة وبرامج قابلة للتقييم، بعيدًا عن التنافس الشخصي والحزبي.
2. تعزيز روح الأخوة والشراكة الوطنية
من الضروري تغليب روح الأخوة والتضامن والروابط الوطنية، وإعلاء صوت الحكمة والحوار، ووقف الخطابات العدائية التي تزيد الانقسام. فالوطن يجمع أبناءه على اختلاف انتماءاتهم، ولا يمكن حماية الوجود المسيحي بمعزل عن بناء دولة تحترم حقوق جميع مواطنيها وتضمن المساواة بينهم.
3. وقف تبادل الاتهامات واعتماد النقد الموضوعي
إن الانتقاد المتبادل الذي يقوم على الاتهامات غير المدعومة بالأدلة لا يؤدي إلا إلى الهدم والتقسيم. أما النقد الموضوعي، القائم على الوقائع والحجج واحترام الرأي الآخر، فيمكن أن يسهم في تصحيح الأخطاء وتعزيز التنوع والتسامح وتطوير التفكير السياسي والاجتماعي.لذلك، ينبغي أن ننتقل من ثقافة إدانة الأشخاص إلى مناقشة الأفكار والبرامج والنتائج، وأن نجعل الاختلاف مدخلًا للإصلاح لا سببًا للقطيعة.
4. تجديد عمل المنظمات والأحزاب المسيحية في العراق
يمكن للنخبة في المهجر أن تُسهم في تطوير أداء الأحزاب والمنظمات المسيحية الكلدانية والآشورية والسريانية، من خلال تقديم الدراسات والمقترحات والبرامج العملية، والاستفادة من الخبرات المتراكمة في مجالات الإدارة والحوكمة والتنمية وبناء المؤسسات. كما أن من الضروري تشجيع هذه التنظيمات على وضع خطط عمل واضحة، وتحديد أولوياتها، وإعلان أهدافها ونتائجها، وتعزيز التعاون بينها، مع احترام استقلالية كلِّ تنظيم وحقِه في التعبير عن رؤيته.
5. تشجيع الاستثمار والتنمية الاقتصادية في القرى المسيحية
يمثل توفير فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية عاملَين مهمَين في تشجيع الشباب والعائلات على البقاء. ومن هنا، يمكن للنخبة المسيحية ،خصوصا ،الأثرياء في المهجر المساهمة في إنشاء مشاريع استثمارية صغيرة ومتوسطة في القرى والمناطق المسيحية، بما يدعم الاقتصاد المحلي ويوفر فرص عمل. ويمكن أن تشمل هذه المشاريع الزراعة والصناعات الغذائية والسياحة الثقافية والدينية والخدمات وفقًا لاحتياجات كل منطقة وإمكاناتها.
ويتطلب نجاح هذه المبادرات دراسات آليات شفافة للتمويل والإدارة، وضمانات قانونية لحماية المستثمرين والمستفيدين، فضلًا عن إشراك الشباب المحلي في التخطيط والتنفيذ. إن الهدف ليس تقديم مساعدات مؤقتة فحسب، بل بناء مقومات اقتصادية تمنح الناس الأمل والقدرة على ترسيخ مستقبلهم في وطنهم.
6 . دراسة إمكانية تأسيس إطار سياسي ديمقراطي داعم للتعددية.
يمكن للنخبة المسيحية في المهجر أن تفتح حوارًا بشأن إمكانية تأسيس إطار سياسي ديمقراطي- مدني، يهدف إلى دعم المشاركة السياسية للمسيحيين والدفاع عن حقوقهم الدستورية والثقافية والوطنية، مع الالتزام بالديمقراطية والمواطنة والتعددية.
وينبغي أن يستند أي مشروع من هذا النوع إلى برنامج سياسي واضح، وأن يحترم التنوع ويعمل على بناء شراكات وطنية مع مختلف مكونات المجتمع العراقي.كما يستحق هذا المقترح نقاشًا جادًا لتحديد مدى الحاجة إليه، وطبيعة علاقته بالأحزاب والتنظيمات القائمة، والوسائل الديمقراطية التي يمكن من خلالها تحقيق أهدافه.
خاتمة: من التشخيص إلى العمل المشترك
إن الحفاظ على الوجود المسيحي في العراق ليس مسؤولية المسيحيين المقيمين في البلاد وحدهم، بل هو مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود الكنائس والنخب الثقافية والعلمية والاقتصادية والسياسية، داخل العراق وخارجه.
وأتوجه بصورة خاصة إلى النخبة المسيحية العراقية في المهجر، بما تمتلكه من خبرات ومعارف وعلاقات وإمكانات، لتسهم في وضع رؤية عملية لمستقبل المسيحيين في العراق، لا تقتصر على التعبير عن القلق والأسف، بل تنتقل إلى المبادرة والتخطيط والعمل.إن المطلوب هو بناء جسور تعاون مستدامة بين أبناء الوطن في الداخل والمهجر لتهيئة الظروف التي تجعل البقاء خيارًا ممكنًا وكريمًا، وتمنح الأجيال الجديدة أسبابًا واقعية للتمسك بوطنها والمساهمة في بنائه.
وأخيرًا، أدعو القراء والمهتمين إلى مناقشة هذه الأفكار، وإضافة مقترحات عملية أخرى، وتقديم رؤى قابلة للتطبيق. فالحوار الصريح قد يكون الخطوة الأولى نحو عمل مشترك يساهم في حماية الوجود المسيحي في العراق، وصون إرثه التاريخي والثقافي والروحي، وتعزيز دوره في بناء وطن يتسع للجميع.
في هذا السياق، أرى أهمية المبادرة إلى عقد مؤتمر أو لقاء تشاوري يجمع ممثلين عن مسيحيي المهجر ومسيحيي الداخل مع الشركاء في الوطن، لتبادل الآراء ومناقشة التحديات الراهنة، وتوحيد الرؤى. وينبغي ألّا يقتصر هذا اللقاء على تشخيص المشكلات وتبادل وجهات النظر، بل أن يفضي إلى وضع آلية واضحة للعمل المشترك، تتضمن أهدافًا محددة، وخطوات عملية قابلة للتنفيذ، وتوزيعًا للمسؤوليات، ومتابعةً للنتائج. ومن المهم أن تُتوَّج أعمال هذا المؤتمر بإصدار بيان رسمي يعبّر عن المواقف المشتركة، ويحدّد الأولويات والتوصيات، ويرسم ملامح خطة عمل مستقبلية، بما يعزّز حضورهم التاريخي والوطني في العراق.

قد يعجبك ايضا
∧