خيبة طهران المنتظرة في العراق

انس الشيخ مظهر

تتعامل طهران مع العراق بوصفه أصلب عمق جيو-عقائدي له في المنطقة، لكنها تتغافل عن قاعدة قديمة في هذه البيئة تفيد بان النفوذ الذي يُبنى على شراء أدوات محلية ينهار حين تتفوق إغراءات الداخل على مشروعات الخارج. والمشهد العراقي اليوم يقدّم أدلة متتابعة على ذلك… فصائل مسلحة تتحدث بلغة الدولة، وأطراف سنية تبتعد بهدوء، وإعلاميون وساسة ملأوا الشاشات دفاعاً عن «المحور» يتصدرون الآن حملات نقده.

هذا التغير الذي نتلمسه عند هذه الجماعات لم يات لأن أحداً أقنعها بخطأ طريقها، بل لأن السلطة غيّرتها. فحين يُستبدل السلاح بالوزارات والصفقات والشركات، يتحول القيادي من جندي في مشروع عابر للحدود إلى حارس لامتيازاته. العملية السياسية التي أرادت طهران ان تشرعن نفوذ حلفائها صارت هي المعمل الذي أعاد تشكيل سلوكهم، فأصبحوا أحرص على مكاسب بغداد منهم على حسابات طهران. والمقاتل الذي يتبع الراتب يصبح مواليا للجهة التي تدفع له ، وفي هذه الحالة الجهة التي تتدفع هي الخزينة العراقية، لا الإيرانية. ولا يحتاج هؤلاء إلى انقلاب فكري كي يخففوا من التزاماتهم الإقليمية، فيكفيهم غريزة بقاء بسيطة تخبرهم أن كلفة التبعية صارت تهدد وجودهم السياسي والمالي.

وثمة عامل لم يلتفت إليه كثيرون وهو ان هؤلاء القادة لم يعودوا كما كانوا عندما كانوا في الخنادق والمنافي وليس لديهم ما يخسرونه. اصبحوا اليوم أسرى النظام المالي الذي يسيطرون عليه… أموالهم في المصارف وعقاراتهم في العواصم وشركاتهم في سلاسل التوريد، وكلها مكشوفة أمام الدولار والعقوبات. ومن يملك هذا القدر من الثروة تصبح مقصلة التجميد أخوف عليه من أي فتوى أو شعار. وهنا تنقلب المعادلة لتجعل من واشنطن المتحكمة بالدولار أقدر على التأثير عليهم من طهران المشتركة معهم في العقيدة. وإلى جانب ذلك ينشأ جيل من الورثة، أبناء القادة الذين تربوا في الفلل والجامعات الأجنبية، لا يحملون من «المقاومة» سوى قصص تحكى لهم . هذا الجيل لن يرث الثورة، بل سيرث الشركات، والشركات لا تحب العقوبات.

ولا يقف الأمر عند الفصائل. فالأطراف السنية التي اقتربت من طهران عبر الصفقات وتقاسم المنافع مع القوى الشيعية الحاكمة تسارع اليوم إلى فك الارتباط، بمجرد أن لمست تراجع قدرة إيران على توفير الغطاء السياسي والمالي. والتحول المفاجئ في خطاب السياسيين والمحللين والإعلاميين يؤكد أن الساحة العراقية لا تتنفس أيديولوجيا ثابتة، بل تتحرك وفق بورصة نفوذ ترتفع أسهمها وتنخفض بحسب قوة الراعي. وحين يضعف الراعي يبدأ سباق التبرؤ، وهو سباق له قواعده التي تؤكد ان من يسبق إلى إعلان القطيعة ينال مكافأة المنتصر، ومن يتأخر يُحمَّل وزر الماضي كله. وهكذا تتحول إيران إلى كبش فداء مريح، تُعلَّق عليه إخفاقات سنوات طويلة، ويغسل كل طرف سمعته بالهجوم عليها. ويصبح الولاء لطهران، الذي كان رصيداً في السيرة الذاتية، عبئاً يحرص أصحابه على إخفائه.

والتاريخ لا يقول غير هذا. ففي زمن الصراع الصفوي العثماني كانت البنى الاجتماعية والمسلحة في العراق أبعد ما تكون عن الأملاك المستقرة لأي قوة إقليمية. كان الشاه والسلطان يريان في الحلفاء المحليين أدوات تنفيذ، بينما كان هؤلاء يلعبون لعبة الالتفاف المزدوج , فيستثمرون دعم الشرق لحماية أنفسهم من ضغط الغرب، ثم ينقلبون على حليف الأمس حين يطالبهم بضريبة عسكرية ثقيلة أو تتبدل معادلة التمويل والإقطاع . وكل قوة ظنت أنها امتلكت مفاتيح بغداد عبر وكلاء محليين اكتشفت متأخرة أن الوكيل كان يمارس استثماراً نفعياً خالصاً تحت غطاء الولاء.

غير أن القطيعة المعلنة ليست الشكل الأرجح لهذا التحول. فالانفكاك في العراق يأتي بالتقسيط، ويبدأ من الصمت والتأخير لا من البيانات. يبقى الشعار كما هو، وتتبدل الممارسة…استجابة تتباطأ، وأوامر «لم تصل»، وعملية تُرجأ بحجة الظرف الأمني، وبيان تضامن يصدر بصيغة حذرة لا تلزم أحداً. إنه ولاء معطّل يحتفظ بالشكل ويفرّغ المضمون. وعلى طهران أن تراقب غياب الفعل لا ضجيج الخطاب، فالحليف الذي يهتف باسمها ولا يتحرك لأجلها قد غادر فعلاً وإن لم يعلن.

وتجد إيران نفسها أمام مأزق لا مخرج سهلاً منه. فالحليف الضعيف لا ينفعها، والحليف القوي لا يطيعها. وكلما دعمت حلفاءها ليسيطروا على مفاصل الدولة العراقية، اكسبتهم استقلالاً يسمح لهم بمخالفتها. نجاحها في تمكينهم هو نفسه سبب فقدانها السيطرة عليهم. ثم إن معاقبة المنشقين ليست خياراً عملياً، لأن العقاب يكشف الضعف ويدفع المترددين إلى الصف الآخر. فاصبحت طهران في موقع من يرى الانفلات ولا يملك إلا الصمت.

ومع ذلك فإن من الإنصاف القول إن هذا لن يشمل الجميع، فلكل طرف حساباته وظروفه، وقد يبقى بعضهم قريباً منها بدافع قناعة حقيقية أو حاجة مستمرة. كما أن من الخطأ اعتبار هذه التحولات على أنها ولادة وطنية جديدة . فمن يتخلى عن الحليف الخارجي حين تتغير الكلفة لا يعني انه اصبح مؤمنا بالدولة، بل غيّر وجهة مصلحته. والبراغماتية التي تخدم العراق حقاً هي التي تتحول إلى مؤسسات وقوانين تجعل الولاء للدولة أربح من الولاء لأي راعٍ، لا التي تنتظر راعياً جديداً.

والدرس لا يخص إيران وحدها. فكل قوة تراهن على وكلاء عراقيين، شرقية كانت أو غربية، ستكتشف أن هذه الأرض لا تمنح ولاءها إلا بالإيجار، وأن عقد الإيجار ينتهي حين ينتهي الدفع. ومن بنى نفوذه على مصالح غيره سيجد نفسه، عند أول اختبار حقيقي، وحيداً في بيت شُيّد على أرض لا تعترف بأصحابه.

قد يعجبك ايضا
∧