شيركو حبيب
خلال الأيام القليلة الماضية، عاد الجدل حول الحجاب إلى الواجهة، وانقسمت الآراء بين مؤيدين يرونه تعبيرًا عن الالتزام الديني والهوية، وآخرين يرفضون فرضه على المرأة أو تحويله إلى معيار للحكم على أخلاقها وقيمتها. وبين هذا وذاك، يبدو أن بعض الأصوات نسيت القضية الأهم: المرأة إنسان له إرادة وكرامة وحق في الاختيار، وليست ساحة لتصفية الخلافات الدينية أو الاجتماعية أو السياسية.
أنا لا أرى أن الحل يكمن في فرض الحجاب، كما لا أراه في إجبار المرأة على خلعه أو السخرية ممن ترتديه. فالمشكلة ليست في قطعة قماش على رأس امرأة، بل في العقلية التي تعتقد أن من حقها أن تقرر نيابة عنها كيف تلبس، وماذا تعتقد، وكيف تعيش.
من تختار الحجاب عن قناعة شخصية ودينية، يجب أن تُحترم حريتها، وألا تتعرض للتمييز أو الإهانة بسبب لباسها. وفي المقابل، فإن المرأة التي لا ترتديه لا ينبغي أن تُتهم في دينها أو أخلاقها، ولا أن تتعرض للضغط أو التهديد أو الإقصاء. فالحرية لا تكون حرية إذا اعترفنا بها لمن يوافقنا فقط، ثم أنكرناها على من يختلف معنا.
الإيمان لا يُفرض بالقوة، والقناعة لا تُصنع بالتهديد. وإذا كان الحجاب بالنسبة إلى امرأة تعبيرًا عن إيمانها، فمن حقها أن تختاره بإرادتها، لكن تحويله إلى وسيلة للضغط على الأخريات يفرغ الاختيار من معناه. وبالمثل، فإن الدفاع عن حرية المرأة لا يمنح أحدًا الحق في التقليل من شأن المحجبات أو التشكيك في وعيهن وقناعاتهن.
هل كان الحجاب موجودًا قبل الإسلام؟
من المهم، عند تناول هذا الموضوع، أن نضعه في سياقه التاريخي بعيدًا عن الشعارات والتعميمات. فتغطية الرأس والوجه لم تبدأ مع الإسلام، بل عُرفت في مجتمعات وحضارات قديمة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى، قبل ظهور الإسلام بقرون. وقد تبنت المجتمعات الإسلامية ممارسات اللباس المحتشم وطورتها في سياقات دينية واجتماعية متعددة.
أما في المجتمع الإسلامي المبكر، فقد تناول القرآن موضوعات الستر والاحتشام في آيات نزلت في سياقات محددة، ثم اختلفت تفسيرات العلماء عبر العصور بشأن حدود اللباس ومعاني النصوص وتطبيقاتها. ولذلك، فإن القول إن الحجاب لم يكن موجودًا إطلاقًا في بداية الإسلام ليس دقيقًا تاريخيًا، كما أن التعامل مع جميع أشكال غطاء الرأس والوجه بوصفها ممارسة واحدة ثابتة لم تتغير عبر التاريخ يتجاهل اختلاف البيئات والعصور والتفسيرات.
لكن النقاش التاريخي والديني، مهما كانت نتائجه، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للإكراه أو الانتقاص من النساء. فهناك فرق بين مناقشة النصوص والتفسيرات، وبين تحويل تفسير بعينه إلى أداة لفرض السيطرة على حياة الآخرين.
المدرسة ليست مكانًا لفرض القناعات
وتزداد حساسية القضية عندما تنتقل إلى المدارس والجامعات، حيث ينبغي أن تكون الأولوية للتعليم والتربية واحترام الكرامة الإنسانية. فالمدرسة ليست مؤسسة لفرض قناعة دينية أو فكرية على التلميذة، ولا مكانًا لمعاقبتها بسبب اختيارها الشخصي في اللباس، ما لم توجد ضوابط قانونية واضحة ومبررات موضوعية تتعلق بمتطلبات التعليم والسلامة، وتُطبق بعدالة ومن دون تمييز.
والمعلم أو المعلمة مسؤول عن التعليم والتوجيه، لا عن إجبار الطالبات على تبني قناعات بعينها. ومن واجب المؤسسات التربوية أن تحمي الطالبات من التنمر والإهانة والضغط، سواء استهدف ذلك فتاة محجبة أو غير محجبة.
إن التربية الحقيقية تقوم على الحوار والإقناع وتنمية التفكير، لا على التخويف والإجبار. فالطالبة التي تتعلم احترام اختلاف الآخرين، تصبح أكثر قدرة على بناء مجتمع يتسع للجميع، مهما اختلفت المعتقدات والاختيارات.
لا للإكراه… ولا للازدواجية
الموقف المبدئي واضح: لا يجوز أن نرفض فرض الحجاب ثم نقبل فرض خلعه، أو أن ندافع عن حرية امرأة وننكرها على أخرى. فالحرية الشخصية لا تتجزأ، واحترام المرأة لا ينبغي أن يكون مشروطًا بمظهرها أو مدى توافقه مع أفكارنا.
كما لا يجوز أن يتحول الحجاب إلى أداة سياسية لقياس التدين أو الوطنية أو الأخلاق. فالإنسان لا يُختصر في لباسه، والمرأة لا تُقاس بغطاء رأسها وحده، بل بإنسانيتها وعلمها وأخلاقها وعملها ومشاركتها في المجتمع.
إن المجتمعات التي تريد التقدم لا ينبغي أن تنشغل بفرض شكل واحد على النساء، بل عليها أن تضمن لهن التعليم والعمل والأمان والكرامة وتكافؤ الفرص. فهذه هي القضايا التي تستحق أن تكون في مقدمة الاهتمامات، بدلًا من تحويل لباس المرأة إلى معركة يومية تُستنزف فيها طاقة المجتمع وتُعمق الانقسامات بين أفراده.
الخلاصة أن الحجاب، سواء نظر إليه البعض باعتباره واجبًا دينيًا أو خيارًا شخصيًا، لا ينبغي أن يكون ذريعة للإكراه أو التمييز. من حق المرأة أن ترتديه عن قناعة، ومن حقها ألا ترتديه من دون أن تُهان أو تُهدد أو تُحرم من حقوقها. فلا الإكراه يصنع إيمانًا صادقًا، ولا الإهانة تصنع مجتمعًا حرًا.
قضية المرأة ليست معركة بين محجبة وغير محجبة، ولا بين مؤيد ومعارض، بل قضية حرية وكرامة واحترام متبادل. وحين ندرك أن الإنسان أوسع من مظهره، وأن القناعة لا تُفرض بالقوة، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع يحترم مواطنيه، ويترك لكل امرأة حق تقرير ما تراه مناسبًا لحياتها، بعيدًا عن الوصاية والإجبار.