سعد مبارك.. الفنان الذي حول شناشيل الحلة إلى ذاكرة من خشب وضوء

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست المدينة أبنية وشوارع وأسواقاً فحسب، بل ذاكرة تتشكل من تفاصيل الحياة اليومية، ومن أبواب البيوت ونوافذها وشرفاتها، ومن الحكايات التي تتركها الأجيال في المكان. وحين تتعرض هذه التفاصيل للاندثار، لا نخسر حجارةً وخشباً وزخارف فقط، بل نفقد جانباً من هويتنا البصرية والاجتماعية. من هنا تكتسب تجربة الفنان التشكيلي والنحات العراقي سعد مبارك أهميتها، بوصفها محاولة فنية لاستعادة ملامح الحلة القديمة، وصون جزء من تراثها العمراني عبر اللوحة والمجسّم والجدارية الخشبية.

ولد سعد مبارك عام 1970 في محلة الجامعين بمدينة الحلة، في محافظة بابل، وهو عضو في نقابة الفنانين العراقيين، فرع بابل. وقد ارتبط مشروعه الفني ببيئته المحلية ارتباطاً وثيقاً؛ فالحلة ليست بالنسبة إليه موضوعاً يرسمه من الخارج، وإنما مكان تشكلت فيه ذاكرته وذائقته، واستمد منه مفردات أعماله وشغفه بالشناشيل والبيوت التراثية والأزقة التي تختزن تاريخ المدينة الاجتماعي.

تحتل الشناشيل مساحة مركزية في تجربة سعد مبارك. وهذه الشرفات الخشبية التي زينت واجهات البيوت العراقية القديمة ليست مجرد عناصر معمارية ذات وظيفة جمالية، بل شواهد على أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية وطرائق تنظيم الفضاء المنزلي في المدن العراقية. وقد ارتبطت بها ملامح معمارية مميزة في الحلة وبغداد والبصرة، مع خصوصية محلية تتجلى في تفاصيل البيوت وزخارفها وتكويناتها.

ينطلق مبارك من هذا الإرث ليعيد بناء صورته الفنية باستخدام الخشب والزجاج ومصابيح الإنارة، فضلاً عن المجسّمات والتفاصيل اليدوية. وهو لا يكتفي برسم واجهة تراثية على سطح مسطح، بل يسعى، عبر توزيع العناصر وتوظيف الضوء والظل، إلى منح العمل شيئاً من الإحساس بالعمق والحضور المكاني.

وتكمن أهمية هذه التجربة في تحويل المادة البسيطة إلى حامل للذاكرة؛ فالخشب الذي تتشكل منه الشناشيل يستعيد، في أعماله، صلته بالأبواب والنوافذ والبيوت القديمة، فيما يتيح الضوء استحضار أجواء المكان وإبراز تفاصيله. وهكذا تغادر المفردة المعمارية وظيفتها الأصلية لتدخل فضاءً تشكيلياً جديداً، تحتفظ فيه بملامحها التراثية وتكتسب دلالات جمالية إضافية.

وقد أشارت تقارير صحفية إلى اعتماد الفنان على العمل اليدوي، وابتعاده عن أساليب التصنيع التجاري، انطلاقاً من إيمانه بأهمية الحفاظ على روح القطعة وتفاصيلها. وهذا الاختيار يمنح أعماله صلة مباشرة بالحرفة، ويجعل الوقت والجهد المبذولين في تنفيذها جزءاً من طبيعة التجربة نفسها.

لم تبقَ تجربة سعد مبارك محصورة في مرسمه أو في حدود مدينته. فقد شارك في معارض فنية محلية، من بينها نشاطات فنية في جامعة بابل، كما ارتبط اسمه بأعمال وجداريات في عدد من المحافظات العراقية. وتذكر المعلومات التي قدمها الفنان حصوله على تكريم في الناصرية عن أحد أعماله، وتكريمه في البيت البابلي للثقافة والفنون، فضلاً عن تكريم محافظ نينوى الأسبق نجم الجبوري عن عمل أنجزه في الموصل.

ويكشف العمل الذي نفذه في الموصل، وفق ما تناولته تقارير صحفية، عن قدرة مشروعه على الانتقال من بيئة إلى أخرى، وعلى إقامة حوار بين الذاكرة المعمارية لمدينة والفضاء العمراني لمدينة أخرى. كما تحدثت تقارير عن وصول بعض أعماله إلى خارج العراق، ومنها الأردن وفرنسا، وهو ما يمنح تجربته امتداداً يتجاوز جمهورها المحلي.

ولا تنحصر دلالة هذه المشاركات في الانتشار الجغرافي وحده، بل في إمكان تقديم التراث العراقي بوصفه لغة بصرية قابلة للتواصل مع الآخرين. فالشناشيل، حين تتحول إلى عمل فني، لا تعود تفصيلاً محلياً مغلقاً، وإنما تصبح مدخلاً للتعريف بتاريخ المدينة وذائقة سكانها، وبقدرة العمارة الشعبية على التعبير عن هوية المجتمع وتحولاته.

من الأعمال التي تستحق التوقف عندها الجدارية الخشبية التي أنجزها مبارك بعنوان (ألف قطعة وحكاية)، وافتُحت في الحلة مطلع عام 2026. وقد استحضر فيها عدداً من ملامح المدينة القديمة، مستعيداً محلات الجامعين والجديدة والطاق والمهدية، إلى جانب شناشيل البيوت ومعالم ترتبط بذاكرة الحلة، مثل شطها ونخيلها وقبابها وبيت الشاعر صفي الدين الحلي.

تتجاوز هذه الجدارية فكرة تجميع صور لمعالم المدينة؛ فهي محاولة لتأليف مشهد بصري تتجاور فيه العمارة والطبيعة والرموز الثقافية، لتشكل مجتمعةً صورة عن المكان. واختيار الخشب وسيطاً لهذا العمل ينسجم مع موضوعه، إذ تتحول المادة نفسها إلى جزء من الحكاية التي يرويها الفنان.

وإذا كانت اللوحة التقليدية تتيح للمتلقي الوقوف أمام صورة مكتملة، فإن الجدارية الكبيرة تمنحه مجالاً أوسع لاكتشاف التفاصيل والتنقل بينها. ومن هنا تبدو فكرة (ألف قطعة وحكاية) ملائمة لموضوعها؛ فالمدينة لا تُختصر في معلم واحد، وإنما تتكون من طبقات متراكمة من الذكريات والوجوه والأمكنة والتجارب الإنسانية.

وقد أتاح عرض الجدارية في فضاء عام أن تخرج من دائرة المشاهدة الخاصة إلى مجال أوسع من التفاعل اليومي. وهذه مسألة مهمة في الفن المرتبط بالتراث، لأن حضور العمل في حياة الناس يمنحه فرصة ليكون جزءاً من الذاكرة المشتركة، لا مجرد قطعة معزولة داخل قاعة عرض.

إن قراءة تجربة سعد مبارك لا ينبغي أن تتوقف عند الإعجاب بقدرته على استعادة الشناشيل أو عند تعداد مشاركاته وتكريمه، بل ينبغي أن تمتد إلى السؤال عن موقع هذا النوع من الفنون في السياسات الثقافية العراقية. فالفنان الذي يعمل على حفظ الذاكرة العمرانية يواجه مهمة تتجاوز إنتاج عمل جميل؛ إنه يساهم، بطريقته، في مقاومة النسيان وإعادة الاعتبار إلى تفاصيل باتت مهددة بفعل التغيرات العمرانية والاجتماعية.

لكن الجهد الفردي، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع وحده أن يعوض غياب التخطيط لحماية الأبنية التراثية، أو ضعف التوثيق البصري للمدن القديمة، أو محدودية الفرص المتاحة للفنانين كي يعرضوا أعمالهم ويطوروها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعاون حقيقي بين المؤسسات الثقافية والجامعات والبلديات ونقابة الفنانين، من أجل توثيق التراث العمراني، وإقامة المعارض المتخصصة، وإنشاء فضاءات دائمة للفنون المرتبطة بالهوية المحلية.

كما أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده في صورة ماضٍ مكتمل، ولا تحويله إلى زينة سياحية خالية من سياقه الاجتماعي. فالعمل الفني الأكثر قيمة هو الذي يجعلنا نرى الموروث بعين جديدة، ويحفزنا على فهم الظروف التي أنتجته، والعلاقات الإنسانية التي نشأت في ظله، والتحولات التي أدت إلى اختفاء بعض ملامحه.

من هذا المنظور، يمكن النظر إلى تجربة مبارك بوصفها مشروعاً قابلاً لمزيد من التطور، من خلال تعميق البحث في تاريخ العمارة الحلية، وتوثيق النماذج الأصلية للشناشيل، والاستفادة من الصور والوثائق والشهادات الشفوية، بما يتيح للفنان أن يربط الحس الجمالي بمعرفة تاريخية دقيقة. فكلما اتسعت قاعدة المعرفة، ازدادت قدرة العمل الفني على تجاوز الاستعادة الشكلية إلى بناء رؤية أكثر عمقاً للمكان.

الفن ذاكرة تقاوم الغياب

إن ما يمنح تجربة سعد مبارك خصوصيتها هو هذا الإصرار على جعل التراث مادة حية للفن، وعلى إعادة تقديم الحلة القديمة عبر خامات مألوفة تتحول بين يديه إلى وسائط للتعبير. فالمدينة التي تتغير ملامحها لا ينبغي أن تفقد حقها في الاحتفاظ بصورتها في الذاكرة، والفنان الذي يعيد بناء بعض تفاصيلها يمنح الأجيال فرصة للتعرف على عالم ربما لم تعشه، لكنه يظل جزءاً من تاريخها.

ومع ذلك، فإن قيمة هذه التجربة ستتعزز كلما اقترنت الحرفة بالبحث، والمهارة بالابتكار، والاحتفاء بالماضي بوعي نقدي لا يتوقف عند الحنين. فليس المطلوب أن نستعيد الحلة القديمة كما كانت فحسب، بل أن نفهم ما الذي جعلها جديرة بالبقاء في الذاكرة، وكيف يمكن لتراثها أن يواصل الحياة في الحاضر من دون أن يفقد أصالته.

إن أعمال سعد مبارك تفتح هذا الباب بين الفن والتاريخ والمدينة؛ باباً يذكرنا بأن حماية التراث ليست مسؤولية المختصين بالآثار وحدهم، بل مسؤولية مجتمع بأكمله. فالمدن لا تعيش بما تحتفظ به من أبنية فقط، وإنما بما تمنحه تلك الأبنية من معانٍ، وبما يبدعه أبناؤها من صور تحمي الذاكرة من التلاشي. وحين يصبح الخشب حكاية، والضوء شاهداً، والشناشيل نافذة على زمن مضى، يغدو الفن إحدى الوسائل التي تستعيد بها المدينة صوتها وتدافع عن حقها في الذاكرة.

قد يعجبك ايضا
∧