إبادة المعرفة وثورة الأرشيف

أكرم محمد

تُشكّل دراسة التاريخ المبكر للشعب الكوردي إشكالية أكاديمية معقدة بسبب ظاهرة الأرشيف الصامت والفقدان الجماعي لأمهات الكتب والمصنفات التراثية، حيث تثبت البحوث المعاصرة والمسوح الميدانية والأكاديمية أن هذا التلاشي التراثي لم يكن نتاجاً بريئاً لعوامل الزمن، بل كان نتاجاً لتضافر عمليات تدمير عسكري وتعمية فهرسية وإقصاء قانوني ممنهج استهدف تجريد الشعب الكوردي من سنده التدويني لشرعنة إلغاء وجوده السياسي والجغرافي.

ولم تكن عملية إخفاء أمهات الكتب التاريخية الكوردية ككتاب أنساب الكورد لأبي حنيفة الدينوري أو قلاع الكورد لأبي الحسن المدائني فعلاً عشوائياً، بل خضعت لخارطة طريق إدارية وقانونية نفذتها المنظومات المركزية عبر الحقب التاريخية المختلفة، وتجلت أولى خيوط هذه الهندسة الأرشيفية في التعمية والتزوير التصنيفي داخل دور الأرشفة الكبرى بالمنطقة، حيث جرى كشط وحذف العبارات الصريحة مثل كورد أو كوردستان أو الأسماء التاريخية الأصلية للمدن كقلاع آمِد الحصينة من سجلات الفهارس القديمة، وإدراج هذه الأصول التاريخية تحت مسميات عامة مخادعة مثل مخطوطات عثمانية عامة أو تراث فارسي وساساني لحجبها عن الباحثين وتثبيت السردية الزائفة بأن الكرد شعب لم يمتلك ذاكرة كتابية.

وتلاقت سياسات عزل المخطوطات القديمة مع القوانين الإقصائية المعاصرة التي فرضت طوقاً مشدداً على السند الكتابي واللفظي للكورد، وترافق مع حملات التهجير وتطبيق سياسات الأحزمة الجغرافية بالمنطقة عمليات مصادرة وإتلاف ممنهجة لدفاتر الملكية العقارية والوثائق العشائرية المحلية، بالتزامن مع تغيير أسماء آلاف المدن والقرى الكوردية من أصولها المذكورة في أمهات كتب البلدان والتاريخ إلى أسماء مستحدثة لتجريد السكان الأصليين من إثبات عراقة استقرارهم على الأرض، وفي هذا السياق كان من الضروري تهميش وإخفاء أي مسودة ديوانية أو تذكرة تاريخية ككتاب التذكرة الآمدية لإبن الفارقي الذي كان دليلاً بروتوكولياً وجغرافياً سيادياً يفصل المراسلات الرسمية لـ نواب الشام وعلاقتهم بالقلاع المحصنة قبل الهيمنة العثمانية المركزية.

وتؤكد مراجع التاريخ الداخلي للكورد أن خسارة التراث المكتوب كانت تُنفذ أيضاً كعقاب عسكري مبرمج يرافق إخماد الإمارات الكوردية والانتفاضات التحررية، حيث كان يتم هدم قلاع الأمراء ومحو حواضن العلم التابعة لهم، ولعل أبرز شواهده تعرض مكتبة الشيخ سعيد البيراني الوقفية الموسوعية في خِنيس وقرية كولهيسار لعمليات نهب وسلب وحرق كاملة من قِبل القوات المركزية الناشئة عام 1925م، ولم ينجُ من آلاف الكتب التي جمعها من دمشق وحلب ومصر وسامرقند سوى مخطوطين صغيرين هما فهرس المكتبة ومجموعة الفتاوى اللذان هُرّبا سراً.

وفي مقابل حملات الإقصاء والتدمير الفيزيائي، أثبتت حركة التقصي الأركيولوجي والأكاديمي أن أجزاء حاسمة وثمينة من التراث الكوردي نجت في بيئات حفظ بديلة وموازية، وتُصنف اليوم في المحافل الدولية كأدلة مادية سيادية تنقض فرية الشفاهية والعقم التدويني، وتتصدر هذه اللقى ثلاث مخطوطات وثائقية خارقة للعادة وشديدة الندرة غيرت كلياً مسار البحث الأكاديمي، أولها جلود كهوف هورامان المحفوظة في المتحف البريطاني بلندن، وهي ثلاث وثائق نادرة مكتوبة على جلود الحيوانات تعود للقرن الأول قبل الميلاد وتمثل عقود بيع وشراء قانونية لبساتين العنب والملكيات العقارية كُتبت باليونانية والبهلوية الأشكانية بالخط الآرامي لتكون أقدم وثيقة مادية تثبت الاستقرار البشري لأسلاف الكورد في جبال زاگروس.

وتأتي ثانياً مخطوطة ماتيناداران رقم 7117 المحفوظة في معهد يريفان بأرمينيا وتعود لعام 1442م كأقدم وثيقة لغوية كردية مكتوبة في العالم، وهي نص ديني كنسي طُوّعت فيه الأبجدية الأرمنية القديمة لتدوين كلمات كوردية كرمانجية صوتياً وعُنونت في الكشوفات القديمة بعبارة لغة الميديين.

وثالث هذه الوثائق هي مخطوطة شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام لأبي بكر بن وحشية النبطي المتوفى عام 930م، والتي أفرد فيها باباً خاصاً لرسم حروف القلم الكوردي القديم ودون شهادة عين قاطعة تذكر أنه عثر في بغداد والشام على نحو ثلاثين كتاباً أثرياً مكتوباً بهذا الخط الكوردي القديم وترجم منها كتابين علميين هما أفلاح الكرم والنخل وعلل المياه وكيفية استخراجها، لتشكل برهاناً دامغاً على وجود لغة كتابية كوردية منظمة عاصرت الحضارات القديمة.

وينضم لهذه اللقى النادرة مخطوط التاريخ الجديد لكوردستان للملا محمود البايزيدي المدون عام 1857م والذي يقع في نحو 1,000 صفحة صُنّف ليكون التتمة التاريخية لكتاب شرفنامه، وظل في حكم المفقود لقرن كامل حتى نجحت المؤرخة الروسية يفغينيا إيلينا فاسيلييفا في نبشه وتدقيقه من أدراج معهد المخطوطات الشرقية في سانت بطرسبرغ بروسيا وجرى نشره حديثاً عِقب فك حجبه الأرشيفي، بالتزامن مع المخطوطات الدينية السرية للإزيديين ككتاب الجلوة ومصحف رش المدونة بأبجدية كوردية مستقلة تتألف من 30 حرفاً فريداً لا يشبه الحرف العربي أو السرياني وحُفظت لقرون في الخزائن الأوروبية لحمايتها من حملات الإبادة المكررة.

وأمام هذه الإبادة المعرفية الصامتة والتعتيم المطبق، تشهد الساحة الثقافية حالياً ثورة توثيقية رقمية هائلة لجمع شتات المخطوطات الفارة وتأسيس السيادة الأرشيفية الكوردية، وفي مقدمتها الإعلان المعاصر عن كنز دور حفظ بلاد الحرمين الشريفين إثر أبحاث ومسوح دقيقة أسفرت عن رصد أكثر من 80 مخطوطة نادرة جداً تعود لأعلام ومشاهير ومؤرخي وفلاسفة الكرد محفوظة في دور المخطوطات والجامعات بالمملكة العربية السعودية، حيث دُونت ونُسخت قديماً على يد علماء كُورد جاوروا الأماكن المقدسة فراراً من البطش العسكري العثماني والإقليمي مما وفر للتراث الكوردي حواضن أمان بديلة حمت هذه المصنفات من المحارق التي طالت الأصول في موطنها الأصلي.

ويتكامل هذا الجهد مع الأرشيف الرقمي الكوردي بجامعة إكستر البريطانية الذي بنى قاعدة بيانات رقمية عالمية مفتوحة نجحت في رقمنة وفهرسة آلاف المواد والوثائق والمراسلات القبلية والمجلات النادرة المهربة إلى أوروبا وإتاحتها مجاناً للباحثين لكسر طوق التعتيم الأكاديمي الدولي، بالتوازي مع حافلات ومسافات المسح الضوئي المتنقلة التابعة لمركز كوردستان للفنون والثقافة ومستودع مؤسسة ژين للتوثيق والبحوث بالسليمانية التي تحتفظ بنحو 75,000 عنوان كتاب و1,300 مخطوطة أصلية، حيث تتنقل الفرق الميدانية بين القرى النائية والتكايا والمدارس الوقفية العتيقة والخزائن العائلية الخاصة لإنقاذ الكنوز المهملة ورقمنة آلاف العقود والمذكرات التاريخية المخفية في السراديب لحمايتها من عوامل الزمن والرطوبة ومنعاً للمصادرات القانونية الحديثة.

وتُثبت هذه المعطيات الوثائقية الشاملة أن غياب أمهات الكتب التاريخية الكوردية لم يكن قدراً طبيعياً بل كان سلاحاً جيوسياسياً أولياً وظفته المنظومات المركزية المتعاقبة لإحداث قطيعة معرفية وتجريد الكورد من سندهم التدويني المستمر لتسهيل إنكار حقوقهم الوجودية، إلا أن ثورة الرقمنة ونبش دور الحفظ البديلة حول العالم يبرهنان على أن الذاكرة المكتوبة للكورد تميزت بديناميكية عالية ومقاومة شرسة طوال التاريخ وأنها حية وعصية على المحو الكامل والإبادة المعرفية الأبدية .
————————————————————————

المصادر والمراجع المعتمدة:

• البدليسي، شرف خان (1597م). شرفنامه: تاريخ الدول والإمارات الكوردية. (ترجمة وتحقيق محمد علي عوني).
• ابن وحشية، أحمد بن علي (توفي 930م). شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام. (تحقيق وتدقيق جوزيف فون هامر، لندن، 1806م).
• القلقشندي، أحمد بن علي (توفي 1418م). صبح الأعشى في صناعة الإنشا. دار الكتب المصرية (مقتبسات التذكرة الآمدية لشهاب الدين بن الفارقي).
• البايزيدي، الملا محمود (1857م). التاريخ الجديد لكردستان (أرشيف أوغست جابا). تحقيق: يفغينيا إيلينا فاسيلييفا، معهد المخطوطات الشرقية، سانت بطرسبرغ، روسيا.
• حمارش، سوران (2023-2025). التاريخ المفقود وغير المروي للكرد: دراسة أنثروبولوجية ولغوية موثقة. دار نشر كوردولوجي.
• طه، ياسين (2025-2026). كنز بلاد الحرمين: دليل المخطوطات والوثائق الكوردية النادرة في المكتبات السعودية. منشورات جامعة السليمانية.
• مؤسسة ژين للتوثيق والبحوث والمعلومات (2025). السجلات العقارية ودفاتر الملكية في كردستان العثمانية: دراسة استقصائية رقمية. السليمانية.
• أرشيف جامعة إكستر البريطانية (DAME) (2024-2026). المستودع الرقمي العالمي للوثائق والمراسلات الكوردية النادرة. كلية الدراسات العربية والإسلامية.
• معهد ماتيناداران للمخطوطات القديمة (1961). فك شفرة المخطوطة الكوردية رقم 7117 لعام 1442م (دراسات العالم ديفيد نيل مكنزي للغات الميدية والزاغروسية). يريفان، أرمينيا.
• المتحف البريطاني (لندن). قسم الشرق الأدنى القديم: السجلات الرسمية والتحقيقات الأركيولوجية لجلود كهوف هورامان العقارية (Avroman Parchments).
• مركز كوردستان للفنون والثقافة (KCAC) (2025-2026). تقارير العمل الميداني وحصيلة حملات الأرشفة الرقمية المتنقلة للمخطوطات والسراديب العائلية.
• مرصد ميزوبوتاميا للعدالة والتوثيق الحقوقي (Mojust) (2026). تقرير رصد الانتهاكات الأكاديمية وآليات شطب وحظر التراث الثقافي واللغوي في الشرق الأوسط.

قد يعجبك ايضا
∧