سيلفانا خضر تعود إلى لالش

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست عودة الناجية الإيزيدية سيلفانا خضر إلى معبد لالش، بزيها التقليدي مجرد مشهد إنساني مؤثر بعد سنوات طويلة من الأسر والمعاناة؛ إنها صورة تختزل حكاية شعبٍ واجه محاولة اقتلاعه من أرضه، ومحو ذاكرته، وكسر إرادته، فتمسك بهويته وجذوره بوصفهما حقاً في الحياة ورفضاً للاستسلام.
في آب 2014، حين اجتاح تنظيم داعش الإرهابي مناطق من شنكال، كانت قرية كوجو واحدة من الشواهد الأشد إيلاماً على الجريمة التي استهدفت الإيزيديين بسبب انتمائهم الديني وهويتهم الثقافية. لم يكن ما جرى مجرد احتلال للأرض أو تهجير للسكان، بل حملة منظمة من القتل والخطف والاستعباد والتدمير، طالت الإنسان وذاكرته ومقدساته، وسعت إلى اقتلاع جماعة أصيلة من نسيج العراق التاريخي والاجتماعي.
كانت سيلفانا خضر واحدة من ضحايا تلك المأساة. وبعد سنوات من الأسر، جاء تحررها في كانون الثاني 2025، وفق المعلومات المتداولة عن قصتها، ليعيد إلى الواجهة سؤال الناجين والناجيات: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد حياته بعد أن تسلب منه سنوات عمره، ويترك وحيداً في مواجهة ذاكرة مثقلة بالخوف والفقدان؟
إن العودة إلى لالش تحمل في هذه الحكاية معنى يتجاوز المكان. فهذا المعبد ليس مجرد موقع ديني لدى الإيزيديين، بل رمز للذاكرة الجماعية والانتماء والاستمرار. وحين تقف سيلفانا هناك بزيها التقليدي، فإنها تعلن، بصمت أبلغ من كثير من الخطب، أن محاولات محو الهوية لم تنجح، وأن الضحية ليست رقماً في سجل المفقودين، بل إنسان يمتلك اسماً وذاكرة وحقاً في استعادة حياته وكرامته.
إن قوة هذا المشهد لا تكمن في تحويل الألم إلى صورة عابرة تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي، بل في إدراك ما وراء الصورة من تجربة إنسانية قاسية. فالناجية لا تحتاج إلى شفقة موسمية، ولا ينبغي أن تتحول معاناتها إلى مادة للاستهلاك الإعلامي؛ إنها تحتاج إلى مجتمع يصغي إليها، ودولة تصون حقوقها، ومؤسسات تضمن لها الأمان والعلاج والتعليم والعمل، وتساعدها على بناء مستقبل لا تظل فيه أسيرة لما ارتكبه الإرهابيون بحقها.
لقد أثبتت المأساة الإيزيدية أن الإرهاب لا يستهدف الأجساد وحدها، بل يسعى إلى تدمير الروابط التي تمنح الجماعات شعورها بالاستمرار: الأسرة، والدين، واللغة، والذاكرة، والمكان. ولذلك فإن مواجهة آثاره لا تكتمل بالعمليات الأمنية وتحرير المختطفين فحسب، على أهميتهما، وإنما تتطلب أيضاً إنصاف الضحايا، وملاحقة المسؤولين عن الجرائم، وتوثيق الشهادات، وحماية المواقع الدينية والثقافية، وضمان العودة الآمنة والكريمة للمهجّرين.
في هذا السياق، تستحق الجهود المبذولة لتحرير المختطفين ودعم الناجين والناجيات التقدير، بما في ذلك ما ينسب إلى حكومة إقليم كردستان من جهود في هذا المجال. لكن التقدير لا يعفي أي جهة مسؤولة من واجب الاستمرار، ولا يجعل ملف المختطفين والناجين ملفاً منجزاً قبل معرفة مصير المفقودين، وتوفير الرعاية المستدامة للناجين، وتعويض المتضررين، وإعادة إعمار المناطق المدمرة، وتهيئة الظروف التي تمنع تكرار المأساة.
فالأرقام، مهما بلغت أهميتها في قياس حجم الجهود، لا تختصر حكاية كل إنسان. وراء كل مختطف عائلة تنتظر، ووراء كل ناجية سنوات مسروقة وأسئلة مؤلمة، ووراء كل بيت مهجور حياة انقطعت عن سياقها الطبيعي. لذلك ينبغي أن تترافق الإحصاءات مع الشفافية، وأن تكون هناك بيانات واضحة ومحدثة عن أعداد المختطفين والمحررين والمفقودين، وعن البرامج المخصصة لإعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي.
ولا بد من التذكير بأن الإيزيديين ليسوا جماعة طارئة على العراق، ولا ضيوفاً على تاريخه؛ إنهم جزء أصيل من تعدديته الحضارية والثقافية، ومن حقهم أن يعيشوا في وطنهم بأمان ومساواة، من دون خوف من تكرار الاستهداف أو اضطرار إلى الهجرة بحثاً عن الحماية. إن الدفاع عن حقوقهم ليس شأناً يخصهم وحدهم، بل امتحان لضمير الدولة والمجتمع، ولمدى قدرتنا على حماية التنوع بوصفه ثروة وطنية، لا سبباً للتمييز والإقصاء.
إن سيلفانا خضر، وهي تعود إلى لالش، لا تمثل نفسها وحدها، بل تحمل في قصتها وجع العائلات التي لا تزال تنتظر أبناءها، وإرادة الذين يحاولون النهوض بعد الكارثة، وحق جيل كامل في أن يعرف الحقيقة وألا يرث الخوف. ومع ذلك، يجب ألا نحمل الناجين مسؤولية إثبات صمود شعبهم؛ فواجبنا نحن أن نصون كرامتهم، ونحمي حقوقهم، ونحول التعاطف معهم إلى سياسات عادلة وعمل مستمر.
إن الهوية التي حاول الإرهاب محوها لا تصان بالرموز وحدها، بل بالعدالة والحرية والأمان والمواطنة المتساوية. ولالش، في هذه الحكاية، ليس مكاناً للعودة فحسب، بل شاهد على أن جذور الإنسان قد تتعرض للعنف، لكنها لا تفقد حقها في الحياة.
سيلفانا خضر.. عسى أن تكون عودتك بداية حياة تستحقينها، وأن تتحول حكايتك من شهادة على قسوة الماضي إلى تذكير دائم بمسؤوليتنا عن بناء عراق لا يترك فيه إنسان وحيداً في مواجهة الكراهية، ولا يعاقب فيه أحد بسبب هويته أو معتقده.

قد يعجبك ايضا
∧