بين تراجع اليسار العراقي وإشكالية التحالفات وأزمة التجديد

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليس السؤال عن مستقبل اليسار العراقي سؤالاً عابراً، ولا هو مجرد مراجعة لمسيرة حزب سياسي عريق، بل هو سؤال يتصل بمستقبل العدالة الاجتماعية، ومصير القوى التي رفعت تاريخياً شعارات الدفاع عن الفقراء والكادحين، ومناهضة الاستغلال، وإقامة دولة المواطنة والمؤسسات. فكيف يمكن أن يتراجع حضور اليسار في مجتمع يعاني من البطالة والفقر واتساع الفجوة الطبقية والفساد والمحاصصة، وهي قضايا تقع في صميم خطابه السياسي والاجتماعي؟

هل انحسر اليسار العراقي، ممثلاً بالحزب الشيوعي العراقي، إلى حد فقدان قدرته على التأثير؟ أم أنه يمر بأزمة سياسية وفكرية وتنظيمية جعلته عاجزاً عن تحويل رصيده التاريخي إلى قوة اجتماعية حاضرة؟ وهل أسهمت تحالفاته مع قوى تختلف معه في المنطلقات الفكرية والمرجعيات السياسية في إضعاف هويته، أم أن الأزمة أعمق من أن تختزل في التحالفات وحدها؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي الابتعاد عن لغة التمجيد والتخوين، والاحتكام إلى النقد الموضوعي الذي لا ينتقص من التضحيات التاريخية للشيوعيين العراقيين، ولا يمنح التجربة السياسية حصانة من المراجعة والمساءلة.

يمتلك الحزب الشيوعي العراقي تاريخاً طويلاً من النضال والتضحيات، ودفع أعضاؤه وأنصاره أثماناً باهظة في مواجهة الاستبداد والقمع السياسي. ولا يمكن إنكار دورهم في الدفاع عن حقوق العمال والفلاحين، وفي نشر الثقافة التقدمية، والمساهمة في الحياة الفكرية والسياسية العراقية. لكن التاريخ، مهما كان غنياً بالتضحيات، لا يستطيع وحده أن يصنع مستقبلاً سياسياً. فالأحزاب لا تقاس بما قدمته في الماضي فحسب، بل بقدرتها على قراءة الحاضر، وفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وتقديم إجابات عملية عن مشكلات الناس.

لقد تغير المجتمع العراقي، وتبدلت طبيعة العمل والطبقات الاجتماعية، واتسعت أعداد الشباب الباحثين عن فرص العمل، وازدادت الضغوط المعيشية على الموظفين والمتقاعدين والفئات محدودة الدخل. وفي المقابل، لم يتمكن اليسار من تحويل هذه التحديات، بالقدر المأمول، إلى قاعدة جماهيرية واسعة ومشروع سياسي مؤثر. وهنا يبرز السؤال: هل تكمن المشكلة في تراجع الحاجة إلى الأفكار اليسارية، أم في عجز القوى التي تتبناها عن تجديد خطابها وأدواتها التنظيمية؟

إن استمرار المظالم الاجتماعية لا يعني بالضرورة استمرار نفوذ الأحزاب التي ترفع شعارات العدالة؛ فالمجتمع قد يحتاج إلى برنامج يساري، من دون أن يجد في التنظيمات اليسارية القائمة ما يقنعه بقدرتها على تحقيقه.

التحالفات السياسية: فرصة أم عبء على الهوية؟

تعد تجربة تحالف (سائرون) الانتخابي عام 2018 من المحطات التي تستحق التوقف عندها في مسيرة الحزب الشيوعي العراقي. فقد دخل الحزب في تحالف مع التيار الصدري وقوى أخرى، تحت عناوين الإصلاح ومكافحة الفساد ومواجهة المحاصصة.

كان الرهان على إمكان توسيع دائرة التأثير السياسي، والاستفادة من التحالف الانتخابي لتحقيق أهداف مشتركة. غير أن التجربة كشفت، في نظر منتقديها، عن إشكالية أساسية تتعلق بقدرة الحزب على الحفاظ على استقلاله الفكري والسياسي داخل تحالف يضم قوى متفاوتة في الحجم والامتداد الجماهيري والمرجعيات. وقد أشار تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي عام 2020 إلى أن تجربة التحالف لم تحقق مستوى الآمال المعقودة عليها في ملفات الإصلاح ومواجهة المحاصصة والفساد، الأمر الذي يضع نتائجها في دائرة المراجعة السياسية.

ليس الاعتراض هنا على مبدأ التحالف بحد ذاته؛ فالعمل السياسي يقوم، في جانب منه، على التفاهمات المشتركة والتعاون بين القوى المختلفة. لكن التحالف الناجح يحتاج إلى برنامج واضح، وتوازن في العلاقة بين أطرافه، وآليات للمحاسبة، وحدود لا تسمح بالتضحية بالهوية الفكرية مقابل مكاسب انتخابية مؤقتة.

السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل استطاع الحزب الشيوعي أن يجعل التحالف وسيلة لتوسيع مشروعه الاجتماعي والسياسي، أم أن مشاركته جعلت صورته الجماهيرية مرتبطة بخيارات شريكه الأكبر؟ وهل نجح في إقناع جمهوره بأن التحالف يخدم مشروعه المستقل، أم ساهمت التناقضات بين الخطاب والممارسة في إرباك صورته لدى بعض أنصاره ومؤيديه؟

إن هذه الأسئلة لا تعني أن التحالف وحده مسؤول عن تراجع اليسار، لكنها تؤكد أن أي تحالف لا يقاس بعدد المقاعد التي يحققها، بل بقدرته على ترجمة أهدافه المعلنة إلى نتائج ملموسة، مع الحفاظ على استقلال الأطراف المشاركة فيه.

لا يمكن تفسير أزمة اليسار العراقي من خلال نتائج الانتخابات وحدها؛ فهناك أزمة تتعلق بالهوية الفكرية، وأخرى بالتنظيم والعمل الجماهيري، وبالقدرة على إنتاج خطاب جديد يستجيب للتحولات التي يشهدها المجتمع. لقد ارتبط اليسار العراقي تاريخياً بقضايا العمال والفلاحين والعدالة الاجتماعية، لكن هذه القضايا تحتاج اليوم إلى معالجة تتجاوز الشعارات التقليدية، نحو برامج واضحة بشأن الاقتصاد المنتج، وحماية الأجور والمعاشات التقاعدية، والضمان الاجتماعي، والضرائب العادلة، وحقوق العاملين في القطاع الخاص، وإصلاح التعليم والصحة، ومكافحة الفساد المالي والإداري. كما أن الدفاع عن الدولة المدنية لا ينبغي أن يبقى عنواناً عاماً، بل يجب أن يتحول إلى مشروع مؤسساتي يدافع عن المواطنة المتساوية، واستقلال القضاء، وحرية التعبير، وحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء هيمنة المصالح الحزبية على مؤسساتها.

أما تنظيمياً، فلا يمكن بناء حضور جماهيري متجدد بالاكتفاء بالبيانات السياسية والمناسبات التاريخية. المطلوب عمل يومي بين الناس، وانفتاح حقيقي على الشباب والمثقفين والنقابيين والحركات الاجتماعية، وإفساح المجال أمام أجيال جديدة للمشاركة في صياغة القرار والقيادة. فاليسار الذي لا يجدد كوادره وأدواته، ولا يصغي إلى المجتمع الذي يدعي تمثيله، يخاطر بأن يتحول من قوة تغيير إلى ذاكرة سياسية تستحضر ماضيها أكثر مما تصنع مستقبلها.

عام 2021 أعلن الحزب الشيوعي العراقي مقاطعة انتخابات مستنداً إلى موقفه من الظروف السياسية والانتخابية، وما اعتبره اختلالات تهدد إمكان التغيير عبر صناديق الاقتراع. ومع أهمية مناقشة مبررات المقاطعة، فإن القضية الأوسع تتعلق بما يأتي بعدها: كيف تتحول المقاطعة إلى فعل سياسي واجتماعي منظم؟ وكيف يمكن تحويل الاحتجاج على منظومة المحاصصة إلى بديل قادر على بناء الثقة واستقطاب المواطنين؟

فالمشاركة الانتخابية ليست ضمانة للتغيير، كما أن المقاطعة ليست بديلاً مكتمل الأركان. وفي الحالتين، تبقى الحاجة إلى استراتيجية تجمع بين العمل الجماهيري والنشاط النقابي والتثقيف السياسي وبناء التحالفات المدروسة، فضلاً عن تقديم بديل اقتصادي واجتماعي قابل للتطبيق. إن غياب الاستراتيجية المتكاملة قد يجعل المشاركة مجرد منافسة على المقاعد، والمقاطعة موقفاً احتجاجياً لا يترجم إلى قوة منظمة. ولذلك ينبغي أن يكون معيار النجاح هو مقدار التأثير في حياة المواطنين، لا الموقف من الانتخابات وحده.

إن نقد مسيرة الحزب الشيوعي العراقي لا يعني إنكار تاريخه أو التقليل من تضحيات أعضائه، كما أن الدفاع عن هذا التاريخ لا يعني تجاهل الأخطاء أو تجميد النقاش داخل الحزب. المطلوب مراجعة شجاعة تتناول طبيعة التحالفات السابقة، وآليات اتخاذ القرار، والعلاقة بين القيادة والقاعدة الحزبية، ومدى قدرة التنظيم على استيعاب التحولات الاجتماعية، فضلاً عن تقييم تجربته في المعارضة والمشاركة الانتخابية والعمل المدني. والمراجعة الحقيقية لا تبحث عن كبش فداء، ولا تحمل شخصاً أو تحالفاً واحداً مسؤولية أزمة ممتدة، بل تبحث عن الأسباب المتراكمة، وتحدد المسؤوليات، وتستخلص الدروس، وتفتح المجال أمام تجديد فكري وتنظيمي حقيقي. فإن مستقبل اليسار لا ينبغي أن يختزل في مستقبل حزب واحد. فهناك قضايا اجتماعية ومدنية يتبناها مستقلون ونقابيون ومثقفون وحركات احتجاجية لا تنتمي بالضرورة إلى التنظيمات اليسارية التقليدية. ومن هنا تبرز إمكانية بناء تعاون واسع حول أهداف مشتركة، شريطة ألا يكون بديلاً عن وضوح البرنامج أو استقلال القرار.

إن السؤال عن مستقبل اليسار العراقي يقودنا في النهاية إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف يمكن لقوة سياسية تحمل مشروع العدالة الاجتماعية أن تستعيد ثقة مجتمع أنهكته الأزمات، وأصبح كثير من أبنائه يشككون في جدوى الوعود السياسية؟

إن الطريق لا يبدأ باستعادة الشعارات القديمة، ولا بالبحث عن حليف انتخابي جديد، بل بإعادة بناء العلاقة مع الناس على أساس المصداقية والعمل الملموس. يبدأ حين يصبح الدفاع عن الفقير برنامجاً اقتصادياً، وعن العامل سياسة اجتماعية، وعن التعليم مشروعاً وطنياً، وعن الدولة المدنية موقفاً ثابتاً لا يخضع لموازين المصالح الانتخابية. فاليسار لا يفقد مبرر وجوده لمجرد تراجع نفوذه الانتخابي، ما دامت قضايا العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة قائمة. لكنه لا يستطيع الادعاء بتمثيل هذه القضايا إلى الأبد من دون مراجعة أدائه وتجديد مشروعه وإثبات قدرته على التأثير.

إن أزمة اليسار العراقي ليست مجرد أزمة حزب تراجع حضوره، بل أزمة العلاقة بين الفكرة والتنظيم والمجتمع. وقد تكون التحالفات غير المتكافئة أحد مظاهرها، لكنها ليست تفسيرها الوحيد. ويبقى على الحزب الشيوعي العراقي وسائر القوى اليسارية أن تجيب عن سؤال المرحلة: هل تستطيع تحويل إرثها النضالي إلى مشروع جديد يستجيب لمطالب العراقيين، ويحافظ على استقلاله، ويبتعد عن المحاصصة، ويقدم نموذجاً في الديمقراطية الداخلية والمساءلة؟ فالتاريخ يمنح الأحزاب جذورها، لكنه لا يمنحها ضمانة البقاء. وحده التجديد الصادق، والعمل بين الناس، والقدرة على تحويل المبادئ إلى نتائج، يمكن أن يحدد موقع اليسار في مستقبل العراق.

إن أزمة اليسار العراقي لم تعد تحتمل الاكتفاء بالتبريرات أو الاحتماء بالماضي النضالي. فالحزب الشيوعي العراقي مطالب اليوم بمراجعة سياسية وفكرية وتنظيمية صريحة، تبدأ بتقييم تحالفاته، ولا تنتهي عند إعادة بناء علاقته بالشارع العراقي. لقد أثبتت التجارب أن التحالفات التي لا تحفظ استقلال القرار والهوية الفكرية قد تتحول من وسيلة للتأثير إلى عبء على المشروع الذي يفترض أن تخدمه.

إن اليسار الذي يتنازل عن استقلاله السياسي، أو يذيب هويته في تحالفات غير متكافئة، يفقد تدريجياً قدرته على تقديم نفسه بديلاً مستقلاً. ولا يكفي أن يرفع الحزب شعارات العدالة الاجتماعية ومناهضة المحاصصة؛ بل عليه أن يترجمها إلى مواقف واضحة وممارسة سياسية لا تخضع لحسابات الشركاء ومصالحهم.

وعليه، فإن المطلوب ليس الانسحاب من الحياة السياسية، ولا القطيعة مع القوى الأخرى، بل وضع التحالفات في مكانها الصحيح: وسيلة لتحقيق برنامج مستقل، لا بديلاً عن هذا البرنامج. كما أن المطلوب ليس الدفاع عن الحزب لمجرد تاريخه، بل إعادة بنائه على أساس الديمقراطية الداخلية، وتجديد قياداته، والانفتاح على الأجيال الجديدة، واستعادة دوره في النضال الاجتماعي والنقابي.

إن مستقبل اليسار العراقي مرهون بقدرته على حسم خياره: إما مشروع مستقل يستمد قوته من المجتمع ويدافع عن مصالحه بلا مساومة على مبادئه، وإما استمرار في الدوران داخل تحالفات وتسويات لا تمنحه القدرة على إحداث التغيير الذي يعد به. فالمجتمعات لا تنتظر الأحزاب التي تعيش على أمجادها، ولا تمنح ثقتها لمن يكتفي بتشخيص الأزمة من دون أن يقدم طريقاً للخروج منها. والتاريخ النضالي، مهما عظم، لا يعفي من مسؤولية الحاضر.

اليسار العراقي لا يحتاج إلى استعادة صورته القديمة بقدر ما يحتاج إلى استعادة وظيفته السياسية والاجتماعية. فإما أن يكون قوة تغيير مستقلة وفاعلة، وإما أن يظل شاهداً على أزمة مشروع لم ينجح بعد في تجديد نفسه.

قد يعجبك ايضا
∧