آلعراق و الرؤية التنموية المستقبلية

سعدالله عقراوي

أعتقد أن العراق والعديد من الدول النامية تمتلك موارد طبيعية هائلة، ومواقع جغرافية استراتيجية، وشبابًا، وإمكانات اقتصادية كبيرة. ومع ذلك، لا يزال المواطنون العاديون في كثير من الأحيان يعانون من الفقر والبطالة وضعف الخدمات العامة ومحدودية فرص التعليم. هذا التناقض يطرح أحد أهم أسئلة عصرنا. يُعدّ الظلم أحد أعمق عوائق التنمية. فعندما لا يتمتع المواطنون بفرص متكافئة في العدالة والعمل والتعليم والرعاية الصحية والفرص الاقتصادية، تتفاقم الانقسامات الاجتماعية. قد تمتلك الدولة النفط والغاز والمعادن والأراضي الزراعية أو غيرها من الموارد القيّمة، لكن الثروة الطبيعية وحدها لا تضمن التنمية البشرية. فإذا تركزت الثروة الوطنية في أيدي فئة قليلة بينما تفتقر قطاعات واسعة من المجتمع إلى الخدمات الأساسية، فقد يتعايش النمو الاقتصادي مع الفقر المستشري. لذا، يجب على الدولة الفاعلة ضمان إدارة الموارد العامة بشفافية، وأن يستفيد المواطنون من الثروة الوطنية. العدالة ليست مجرد مبدأ أخلاقي، بل هي أيضًا أساس جوهري للاستقرار الاقتصادي والسياسي.

نعم في العراق التعليم من أقوى الأدوات لكسر حلقة الفقر. حيثما يغيب التعليم الجيد، تصبح المجتمعات عرضةً للتضليل والتطرف والاستغلال والتلاعب السياسي. لا ينبغي للمدارس والجامعات أن تقتصر مهمتها على تخريج الطلاب فحسب، بل يجب أن تُنمّي التفكير النقدي والمعرفة العلمية والمهارات المهنية والإبداع والمسؤولية المدنية. لذا، يُعدّ الاستثمار في التعليم استثمارًا في مستقبل الدولة نفسها. فالدولة التي تمتلك موارد طبيعية ولكنها لا تستثمر بشكل كافٍ في شعبها تُخاطر باستنزاف ثرواتها دون بناء مؤسسات مستدامة.
أعتقد أن من أهم متطلبات التغلب على الفقر وعدم المساواة في مجتمعاتنا هي الحوكمة الرشيدة. تحتاج المؤسسات العامة إلى ميزانيات شفافة، ورقابة مستقلة، وإدارة مهنية، وآليات تُمكّن المواطنين من محاسبة المسؤولين. فالفساد يُمكن أن يُحوّل الموارد العامة بعيدًا عن المدارس والمستشفيات والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية. كما أن ضعف المؤسسات يُمكن أن يُثبّط الاستثمار ويُفقد المواطنين ثقتهم بالدولة. لذلك، لا ينبغي أن يُفهم مكافحة الفساد على أنها مجرد معاقبة الأفراد، بل يجب أن تشمل أيضًا تعزيز المؤسسات، وتحسين أنظمة الشراء، وزيادة الشفافية، وحماية الرقابة المستقلة، وضمان أن تُوظّف الأموال العامة لخدمة المصلحة العامة. إن أثمن مورد لأي دولة هو شعبها في نهاية المطاف. قد ينضب النفط، وتنفد المعادن، وتنخفض أسعار السلع. لكنّ شعبًا متعلمًا، يتمتع بصحة جيدة، ومهارات عالية، وإنتاجية، قادر على خلق ثروة للأجيال القادمة. لذا، تحتاج الدول النامية إلى رؤية تنموية أوسع، تقوم على التعليم، والرعاية الصحية، والتنويع الاقتصادي، والابتكار التكنولوجي، والعدالة الاجتماعية، وسيادة القانون.

وأخيرًا، اعتقد انه لا ينبغي أن يقتصر الهدف على توزيع الثروة الموجودة فحسب، بل على خلق ثروات جديدة وتوسيع الفرص المتاحة للمواطنين. فالظلم والفقر والجهل ليست ظروفًا حتمية في الدول النامية، بل هي تحديات يمكن مواجهتها من خلال مؤسسات فعّالة، وقيادة مسؤولة، وتعليم، وتنويع اقتصادي، وشفافية، وتكافؤ الفرص. قد يكون بلد ما غنيًا بالنفط أو الغاز أو المعادن أو الأراضي أو الموارد الاستراتيجية، لكن الثروة الوطنية الحقيقية تُقاس برفاهية شعبه وقدراته. ولذلك، فإن المهمة الأساسية للمجتمعات النامية هي تحويل ثروة الموارد إلى تنمية بشرية، وعدم المساواة إلى فرص، والجهل إلى معرفة. عندها فقط يمكن للدولة الغنية أن تصبح مجتمعًا مزدهرًا، وعندها فقط يمكن للموارد الاقتصادية أن تخدم الشعب حقًا

قد يعجبك ايضا
∧