الرئيس البارزاني.. والقرار الذي وضع حلم استقلال كوردستان أمام امتحان التاريخ

عزالدين ملا

من المهم ألا نختزل استفتاء إقليم كوردستان عام 2017 في الرقم الذي خرج من صناديق الاقتراع فقط. فأكثر من 92 % التي صوتت لصالح الاستقلال كانت نتيجة سياسية مهمة، لكنها ليست القصة كلها وربما ليست حتى الجزء الأكثر أهمية فيها. قيمة ذلك الاستفتاء تكمن في أنه فعل شيئاً يتجاوز التصويت نفسه، حيث جمع في لحظة واحدة قضايا ظلت لسنوات طويلة موزعة بين بغداد وأربيل وبين النصوص الدستورية والوقائع الميدانية وبين الحسابات العراقية والإقليمية والدولية.
كان الاستفتاء، في ظاهره سؤالاً عن الاستقلال، ولكنه في جوهره كان سؤالاً عن مستقبل العلاقة بين الكورد والعراق كله. كان يضع على الطاولة حق تقرير المصير وطبيعة العلاقة الدستورية بين بغداد وأربيل ومستقبل المناطق المتنازع عليها ومكانة كركوك وحدود السلطة الاتحادية والإقليمية وموقع القضية الكوردية في توازنات إقليمية ودولية معقدة. ومن هنا ينبغي فهم قرار الزعيم مسعود بارزاني؛ فهو لم يطرح سؤالاً جيداً بقدر ما جمع أسئلة قديمة في سؤال سياسي واحد.
منذ سقوط نظام صدام حسين في عام 2003 وحتى الآن، بقيت العلاقة بين بغداد وأربيل محكومة بسلسلة من الخلافات حول النفط والموازنة والصلاحيات والبيشمركة والمناطق المتنازع عليها. وظلت المادة 140 من الدستور، التي وضعت مساراً لتسوية وضع تلك المناطق من أبرز الملفات العالقة. ومع مرور السنوات تحوّل التأجيل نفسه إلى مشكلة سياسية. لذلك لم يكن الاستفتاء منفصلاً عن هذا السياق، بل كان محاولة للخروج من إدارة الملفات المتفرقة إلى إعادة تعريف العلاقة برمتها.
وهذا يفسر أهمية التوقيت. ففي عام 2017 كان العراق يخرج من حرب قاسية مع تنظيم (داعش) وكانت قوات البيشمركة قد أصبحت لاعباً أساسياً في الحرب، كما تغيّرت الخريطة منذ عام 2014 وأصبحت (مناطق متنازع عليها) وبينها كركوك تحت السيطرة حكومة إقليم كوردستان. ومن منظور القيادة الكوردية، وأخص بها الرئيس بارزاني، بدت هناك لحظة سياسية نادرة اجتمعت فيها عوامل عسكرية وشعبية ودولية يمكن استثمارها لرفع سقف القضية الكوردية. لم يكن ذلك يعني أن الطريق إلى الاستقلال كان مضموناً؛ بل كانت المخاطر واضحة، من رفض بغداد إلى معارضة دول الجوار وتحفُّظ الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. لكن منطق القرار كان يقوم على أن استمرار الوضع القائم لم يعد كافياً، وأن تأجيل الملفات الكبرى لن يجعلها تختفي.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في قرار الرئيس بارزاني، تغيير جدول الأعمال السياسي. فبدلاً من أن تبقى قضية النفط ملفاً، والموازنة ملفاً، وكركوك ملفاً، والمناطق المتنازع عليها ملفاً آخر، وضع الاستفتاء هذه القضايا داخل إطار سياسي واحد، ما طبيعة العلاقة التي يريدها الكورد مع الدولة العراقية؟ وما مستقبل المناطق التي يعتبرونها جزءاً من قضيتهم القومية؟ بهذا المعنى لم يكن الاستفتاء مجرّد أداة للحصول على نسبة تأييد للاستقلال، بل أداة لإجبار الجميع على التعامل مع الشرعية الكوردية بصورة مباشرة.
وقد نجح في ذلك إلى حدّ كبير، حتى وإن لم ينجح في تحقيق هدفه النهائي. فقد رفضت الحكومة العراقية الاستفتاء، كما عارضته الولايات المتحدة والأمم المتحدة ودول إقليمية رئيسية، ودعت هذه الأطراف إلى الحوار ضمن الإطار الدستوري العراقي. وهذه المواقف نفسها تكشف أن الاستفتاء لم يكن حدثاً هامشياً يمكن تجاوزه بسهولة، بل أصبح اختباراً مباشراً لمستقبل العراق وعلاقته بإقليم كوردستان.
لكن القرار الذي جمع الملفات الكوردية في لحظة واحدة، جمع في المقابل القوى الرافضة للاستقلال في مواجهة واحدة أيضاً. وإدخال المناطق المتنازع عليها وخصوصاً كركوك في الاستفتاء جعل المسألة أكثر حساسية؛ لأن الأمر لم يعد يتعلق بمستقبل الإقليم وحده، بل بالسيادة والحدود وتركيبة العراق ومستقبل مناطق متعددة المكونات. ولذلك أصبحت كركوك نقطة الاختبار الأصعب. وبعد الاستفتاء، استعادت القوات الاتحادية السيطرة على كركوك والمناطق المتنازع عليها كانت البيشمركة قد سيطرت عليها خلال الحرب ضد تنظيم داعش، ثم أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في تشرين الثاني 2017 قراراً اعتبرت فيه الاستفتاء غير دستوري، وألغت آثاره.
وتوضح هذه التطورات أن الاستفتاء كان خطوة سياسية ذات آثار واسعة، إذ لم تتحول النتيجة الشعبية في ذلك الوقت إلى اعتراف دولي بقيام دولة كوردية، بينما بقيت تداعياته جزءاً من مسار سياسي وأمني أوسع.
وقد أسهم الاستفتاء في نقل النقاش من حدود الصلاحيات داخل العراق إلى سؤال مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل، وجعل الاستقلال وتقرير المصير والمناطق المتنازع عليها وكركوك ملفات مترابطة في نقاش سياسي واحد.
من هنا يمكن فهم قرار الرئيس بارزاني، كان القرار جريئاً وجاء في توقيت قائم على قراءة لظرف استثنائي، ومثّل محاولة سياسية لفتح مسار جديد في العلاقة مع بغداد وإعادة طرح مستقبل المناطق المتنازع عليها بصورة مباشرة. فقد جاء بعد سنوات من انسداد العلاقة مع بغداد وفي لحظة بدا فيها أن استمرار الوضع القائم لم يعد يقدّم حلاً للملفات الأساسية. كان الرهان أن يؤدي الاستفتاء إلى خلق لحظة سياسية جديدة وأن يجبر الأطراف المختلفة على إعادة التفكير في العلاقة بين بغداد وأربيل وفي مستقبل المناطق المتنازع عليها.
لم يتحقق هذا الرهان بالشكل الذي أراده الرئيس بارزاني، لكن القرار أعاد صياغة المشهد السياسي. وهذا ما يجعل أهمية الاستفتاء أكبر من مجرد السؤال ماذا حقق. بل السؤال الأكثر دقة هو ماذا غيّر؟
لقد غيّر مكانة القضية في النقاش السياسي وربط الملفات الكوردية ببعضها، وأخرج سؤال تقرير المصير من دائرة الخطاب السياسي إلى اختبار شعبي مباشر، وأجبر بغداد والقوى الإقليمية والدولية على إعلان مواقفها بوضوح. وفي المقابل، كشف أن هذه الإرادة الشعبية تصطدم بموازين قوى لا يمكن تجاهلها وأن أي مشروع سياسي لا يستطيع تحويل الشرعية الشعبية إلى توافق داخلي ودعم إقليمي أو دولي سيبقى معرضاً للانتكاس.
لهذا لا ينبغي اختزال استفتاء 2017 في سؤال، هل نجح أم فشل؟ بل ينبغي النظر إليه باعتباره لحظة كشفت حدود النظام السياسي العراقي بعد 2003 وحدود العلاقة بين بغداد وأربيل وحدود الدستور غير المنفذ وحدود قدرة القوى الإقليمية والدولية على تجاهل القضية الكوردية، وفي الوقت نفسه حدود قدرة الكورد أنفسهم على تحويل قوتهم الشعبية والسياسية إلى مشروع دولة في بيئة إقليمية ودولية معقدة.
فالرقم الذي خرج من الصندوق عبّر عن موقف الناخبين في ذلك اليوم، أما الحدث نفسه فقد عبّر عن أزمة علاقة عمرها سنوات وعن قضية شعب حاول أن يحوّل مطلبه التاريخي إلى فعل سياسي، ثم اصطدم بحقيقة أن السياسة الدولية لا تُدار بالإرادة وحدها.
وهنا تكمن المفارقة التي تجعل ذلك اليوم حاضراً حتى الآن، الاستفتاء لم يصنع الدولة التي حلم بها الكورد، لكنه نجح في جعل سؤالها سياسياً وعلنياً ومطروحاً على الجميع، وهذا ربما كان الإنجاز الأكبر والخسارة الأكبر في آن واحد.
فالكورد وضعوا كل أسئلتهم على الطاولة دفعة واحدة، لكنهم اكتشفوا أن جمع الأسئلة أسهل من جمع موازين القوى حول الإجابة. لقد امتلكوا الإرادة الشعبية، لكنهم لم يمتلكوا في تلك اللحظة كل الشروط السياسية والإقليمية والدولية لتحويل تلك الإرادة إلى دولة.
ولهذا يمكن النظر إلى قرار الرئيس بارزاني باعتباره خطوة سياسية جريئة لكسر حالة الجمود وإعادة تعريف القضية الكوردية، وقد نجح الاستفتاء في نقل الشرعية الشعبية وتقرير المصير إلى قلب المعادلة السياسية، وجعل مستقبل كوردستان والعلاقة مع بغداد موضوعاً علنياً ومباشراً في النقاش السياسي. وهنا تحديداً تكمن أهمية استفتاء 2017، لم يكن نهاية طريق الاستقلال ولا بداية دولة جديدة، بل كان اللحظة التي خرج فيها الشرعية الكوردية من دائرة التأجيل إلى قلب المعادلة السياسية. فالاستفتاء لم يغيّر خريطة كوردستان، لكنه غيّر طريقة الحديث عن مستقبلها؛ وهذه في السياسة ليست نتيجة صغيرة.

قد يعجبك ايضا
∧