ماهين شيخاني
اتصل به بعد سنواتٍ من الصمت.
قال:
«تحياتي يا أبا آراس… أعرف ظروفك القاسية، ولم ننسَ تضحياتك. وأعرف حبك للبذلة الكوردية. قريباً ستصل إليك هدية مني… فقط عندما ننهي أمورنا التنظيمية. ستصلك، وترتديها في عيد النوروز.»
وأنت يا أبا آراس… صدّقت.
لأنك من طينةٍ لا تعرف الشك،
ومن جيلٍ ظنّ أن رفاق الدرب لا يكذبون.
انتهت الأمور التنظيمية.
وجاء النوروز.
لكن البذلة لم تأتِ.
وتقاعد السياسي في عمارته الفاخرة.
أما أبو آراس… فما زال ينتظر.
كلما مرّت سيارة فارهة أمامه، رفع رأسه قليلاً وهمس:
«لعله اليوم…»
لكن السيارة لا تتوقف.
والبذلة لا تأتي.
والمنقذ لا يتذكر.
لم تكن المرة الأولى التي يُنسى فيها أبو آراس.
كان يعرف كيف يصمت،
وكيف يحفظ للآخرين أعذارهم،
وكيف يسمي الانتظار وفاءً.
لم يتعلم أن يقول للأعمى:
«أنت أعمى.»
كان يظن أن من صعد على كتفيه إلى الكرسي،
سيذكر يوماً تلك الكتفين.
لكنه لم يعرف أن بعض الكراسي
تجعل أصحابها ينسون حتى السُّلَّم.
ومرت السنوات.
بدأت البذلة القديمة تبهت على جسده.
أما الوعد…
فكان لا يزال جديداً في ذاكرته.
ذات مساء، توقفت سيارة فارهة أمام الباب.
نهض أبو آراس بسرعة لم يعرفها جسده منذ سنوات.
ابتسم، مسح على شعره، وسوّى ياقة قميصه، وانتظر.
نزل منها رجل يحمل صندوقاً أنيقاً، واقترب منه بلهجة رسمية باردة:
«أنت أبو آراس؟»
أجاب، وقلبه يسبقه في صدره:
«نعم يا بني… أنا أبو آراس.»
وضع الرجل الصندوق على طاولة خشبية قديمة بجوار الباب، وفتح قفله الذهبي ببطء.
لم تكن فيه بذلة كوردية.
كان فيه ظرف أبيض سميك، تفوح منه رائحة عطر باهظ الثمن.
مدّ الرجل الظرف إليه قائلاً:
«هذه رسالة شكر وتقدير من سيادة المستشار… ومعها شيك بمبلغ يعينك على ظروفك. يقول لك إن مشاغله كثيرة، لكنه لم ينسَ الوفاء.»
توقفت ابتسامة أبو آراس.
نظر إلى الصندوق، ثم إلى بدلة الرجل الحديثة، وسأل بصوت خفيض:
«رسالة؟… وشيك؟… هل قال لك شيئاً عن البذلة؟»
ارتبك الرجل لحظة، ثم قال وهو ينظر إلى ساعته:
«البذلة؟ آه… قال إن القياسات قد تتغير مع الزمن، والمال أفضل لتشتري ما يناسبك. تفضل، وقّع هنا بالاستلام.»
أخذ أبو آراس الظرف بمرارة.
قرأ السطر الأول، المكتوب بخط مطبعي جاف:
«إلى الرفيق المناضل السابق…»
ابتسم ابتسامة حزينة.
طوى الورقة بعناية، وأعادها إلى الظرف، ثم وضعه في كف الرجل.
قال الرجل باستغراب:
«ما بك؟ ألا تريد أن تعرف ما فيها؟ إنه مبلغ كبير، سيتكفل بكل احتياجاتك.»
ثبت أبو آراس عينيه المتعبتين في عينيه وقال:
«عرفت ما فيها قبل أن تصل يا بني. أخبر صاحبك أن الرفيق القديم لم يطلب مالاً.»
تردد الرجل، ونظر إلى البيت المتواضع، ثم إلى الظرف في يده:
«ولماذا ترفض؟ السيد تعب في ترتيب هذا من أجلك وسط جدول أعماله المزدحم.»
نظر أبو آراس إلى بذلته القديمة، التي كادت الخيوط أن تترك كتفيها من كثرة الرقع، وقال كمن يخاطب نفسه:
«تعب؟… قل له: لم أعد أحتاج البذلة، ولا أحتاج ثمنها. قل له إن الذي ينتظر هديةً من رجلٍ نسيه كل هذه السنين، يحتاج إلى كفنٍ يستر خيبته، أكثر مما يحتاج إلى بذلةٍ يتباهى بها في النوروز.»
تحرك الرجل خطوة إلى الخلف.
تملكه ارتباك مفاجئ، ولم يعرف بماذا يجيب.
استدار أبو آراس ببطء، وأغلق الباب الخشبي العتيق.
وبقي واقفاً خلفه…
ولأول مرة، لم يلتفت لسماع صوت محرك السيارة وهو يبتعد.