بني سعادة غيابٌ لم تبلغه حكمتي

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

في نهايات العمر، كنت أظنّ أنّني تعلّمت كيف أنظر إلى الرحيل. رأيتُ ما يكفي من الغياب، وقرأتُ ما يكفي من الحكمة، حتى حسبتُ أنّ في داخلي موضعًا أستطيع أن أقف فيه حين تهتزّ الحياة. ثم رحلت، فلم أجد ذلك الموضع.
كانت حكمتي ناقصة، ولم أعرف ذلك إلا حين احتجت إليها. أستطيع أن أفهم الموت، وأن أتحدّث عن دورة الوجود، وأن أتأمّل عودة الأجساد إلى عناصرها الأولى؛ لكنّني أعجز عن احتمال أنّها لن تقول لي مرّةً أخرى، (اصبر).
بلغتُ هذا العمر لأكتشف أنّ المعرفة تستطيع أن تبلغ أقاصي العالم، وتظلّ عاجزةً أمام مكانٍ فارغٍ في الدار، وموقدٍ آخر انطفأ في بيت آل محمد عباس. الأخت التي كانت، بعد كلّ فقد، تجمع ما تبقّى من حرارة العائلة، وتعيد توزيعه علينا.
كنّا نقترب منها مثقلين، ثم نعود إلى أيامنا وفي داخلنا قدرةٌ أخرى على العيش. لم نسأل كيف كانت تفعل ذلك، ولا إلى أين كانت تذهب بأوجاعها حين ننصرف. اعتدنا دفأها كما نعتاد نبضنا؛ لا نتوقّف عنده ما دام يحملنا.
الآن أعرف كم كانت تحترق.
أشعر أنّ غيابها سبقني إلى آخر عمري. كنتُ أمضي إليه على مهل، وفي نفسي بقيةٌ من فضول، ورغبةٌ في الكتابة، وأحاديث لم تنتهِ. برحيلها، تقدّمت الشيخوخة في داخلي مسافةً لم تقطعها السنوات. ما زالت أمامي أيام، لكنّ شيئًا من قدرتي على استقبالها بقي معها.
وأنا الذي ظننت أنّني بلغت الحكمة، أجدني أبحث عنها بحركةٍ أقدم من الفكر. أتهيّأ لإخبارها بأمرٍ صغير، أتوقّع رأيها، أكاد أسمع كيف ستبدأ الكلام. ثم أتذكّر. في تلك اللحظة القصيرة، أعيش مرّتين: مرّةً في عالمٍ ما زالت فيه، ومرّةً في هذا العالم الذي فقدها. والمسافة بينهما تمزّقني كلّ يوم.
كم كان حضورها ممتدًّا فينا حتى لم نرَ حدوده. كنّا نحسب أنّ لكلّ واحدٍ منّا حياته المستقلّة، فإذا بخيطٍ خفيّ منها يمرّ في حياتنا جميعًا، يشدّ ما يرتخي، ويصل ما يكاد ينقطع. حين غابت، شعر كلّ واحدٍ منّا بشيء يفلت من داخله. لهذا لا يكفي أن نجتمع كي نستعيد اجتماعنا القديم؛ نفتقد تلك الألفة التي كانت تجعلنا نخلع أثقالنا قبل أن نتكلّم.
أتأمّل الآن معنى أن يسكن إنسانٌ في إنسان. أين تقيم نبرة صوتها التي أسمعها من غير صوت؟ وكيف تستطيع كلمةٌ قالتها منذ زمن أن تغيّر جلستي اليوم، وأن تردّني عن قسوة، أو تفتح في صدري بكاءً كنت أظنّه انتهى؟ لقد دخلت في تكويني إلى حدٍّ لا أعرف معه أين تنتهي ذكراها وأين أبدأ أنا.
ومع ذلك، يؤلمني هذا الحضور الذي لا أستطيع الوصول إليه. أحملها في داخلي، وأفتقدها بكلّ ما في داخلي. أستعيد حكمتها، لكنّني أحتاج إلى اللحظة التي كانت تقولها فيها؛ إلى وجهها وهي تنظر إلينا، إلى قدرتها على أن تعرف ما لم نقله. الذاكرة تعطيني ما حفظتُه، وأنا أوجعني ما لم يعد ممكنًا.
لم أكن أطلب من العمر كثيرًا. في هذه المرحلة، يكفي الإنسان أن يبقى له من يعرف معه البدايات، من لا يحتاج أمامه إلى شرح مَن كان، وكيف صار ما هو عليه. كانت بني سعادة تعرفني قبل أن أثقل بالأسماء والكتب والتجارب. وبرحيلها، فقدتُ عينًا كانت تراني من أوّل الطريق. صار عليّ أن أحمل وحدي شيئًا من ذلك الطفل الذي كنته، وقد شاخ حامله ولم يشخ احتياجه إليها.
نتحدّث عنها نحن أهلها، ويصغي كلٌّ منّا إلى الآخر كأنّه يرجو أن يستردّ منه جزءًا لم يحفظه. نجمع كلماتها، مواقفها، تفاصيلها الصغيرة؛ ثم نسكت أمام الحقيقة التي لا تخفّ: كانت هنا، وكان يمكننا أن نمضي إليها.
وأنا، عند آخر الطريق، بكلّ ما ظننت أنّني تعلّمته، أتوقّف عند هاتين الكلمتين. تسقط الدمعة في أعماقي، ولا تعرف عيناي ما حدث؛ تظلّان راقدتين في حلمٍ ينقّب بين أنقاض أربعة وسبعين عامًا من الصراع مع الحياة. كلّ ما بنيته في نفسي يهتزّ: صبري، معرفتي، تلك الحكمة التي اطمأننتُ إليها، ووسط هذا العمر المنهار، أكاد أقول لخيالها حياة لا معنى لها.

قد يعجبك ايضا
∧