ا.د. شيرزاد زكريا السليفاني
مع كل بطولة يخوضها المنتخب الوطني لكرة القدم، تعود إلى الواجهة الأسئلة نفسها حول الاختيارات، ومستوى اللاعبين، ومدى عدالة منح الفرص. وفي بطولة الخليج الأخيرة، كما حدث في بطولات ومباريات سابقة، ظهر مرة أخرى الفارق بين من يفرض نفسه بأدائه داخل المستطيل الأخضر، ومن يعتمد على الضجيج المحيط باسمه.
لقد استمر بعض اللاعبين في تقديم المستوى نفسه الذي ظهروا به في المباريات والبطولات السابقة، فيما أكدت مباريات أخرى أن بعض الأسماء التي حصلت على فرص متكررة لم تكن دائماً بالمستوى الذي رُسم لها. وفي النهاية، تبقى الحقيقة داخل الملعب، إذ لا تنفع العلاقات ولا الشعارات عندما يطلق الحكم صافرة البداية.
بعض اللاعبين أكدوا أحقيتهم بالثقة على الرغم مما تعرضوا له من تشكيك أو تهميش، فيما اكتشف الجمهور أن بعض الأسماء التي قُدمت باعتبارها ركائز لا غنى عنها لم تكن بالمستوى الذي رُسم لها. فالملعب، على عكس مواقع التواصل الاجتماعي، لا يجامل أحداً.
ولعل الدرس الأهم في هذه التجربة أن الجماهير لا يهمها اسم اللاعب أو منطقته أو خلفيته، بقدر ما يهمها ما يقدمه داخل المستطيل الأخضر. فالمعيار الحقيقي في النهاية هو الكفاءة والعطاء، لا الضجيج ولا حملات الترويج ولا المعارك الجانبية التي تستهلك الجهد وتزرع الانقسام.
وربما هنا تحديداً يمكن استخلاص درس يتجاوز حدود كرة القدم، فالمقصود ليس مقارنة المنتخب بالدولة، فلكل منهما ظروفه وتعقيداته، لكن بعض الظواهر تتشابه في أكثر من مجال. فعندما تتراجع الكفاءة أمام العلاقات، أو عندما تُمنح الفرص بناءً على اعتبارات لا علاقة لها بالقدرة والإنجاز، تكون النتيجة غالباً أقل من حجم الطموحات، سواء في الرياضة أو في غيرها.
ولهذا فإن نجاح أي مؤسسة، صغيرة كانت أم كبيرة، يبدأ من اعتماد معيار واضح لا يتغير: وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. وهي عبارة تتكرر كثيراً حتى كاد الناس يملّون سماعها، لكن المشكلة أنها ما زالت تُعامل في أحيان كثيرة وكأنها اقتراح جديد لم يُجرَّب بعد.
لقد كشفت المباريات والبطولات الكبرى حقيقة بعض الأسماء داخل الملعب، وأثبتت أن الاختبار الحقيقي هو الأداء لا الكلام. أما خارج الملعب، فما زال العراقيون ينتظرون أن تكون هناك معايير واضحة وآليات عادلة قادرة على التمييز بين الكفاءة والادعاء، وبين الإنجاز الحقيقي والصخب المؤقت.
فإذا كان المستطيل الأخضر قد نجح في كشف الحقائق خلال تسعين دقيقة، فهل نمتلك في مؤسساتنا اختبارات مماثلة تكشف الحقائق بالسرعة نفسها؟.