أحمد گَل.. الإدارة التربوية بين تطوير الدراسة الإعدادية وبناء مستقبل التعليم المهني في كوردستان

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

في قطاع التعليم، لا تُقاس أهمية المسؤول بعدد الاجتماعات التي يحضرها، وإنما بما يتركه العمل الإداري من أثر في المدرسة والطالب والمدرس، وبمدى قدرة المؤسسات التربوية على الانتقال من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل.

وفي هذا السياق يبرز اسم الاستاذ أحمد گَل ، أحد المديرين العامين في وزارة التربية بإقليم كوردستان، في ميدان يرتبط مباشرة بمستقبل الطلبة، ولا سيما في مرحلتي الدراسة الإعدادية والتعليم المهني، وهما مرحلتان تمثلان جسراً مهماً بين التعليم العام والمرحلة الجامعية وسوق العمل.

الإعدادية.. مرحلة صناعة القرار

تمثل الدراسة الإعدادية مرحلة مفصلية في حياة الطالب؛ ففيها يبدأ الشاب بتحديد اتجاهه العلمي والأكاديمي والمهني، وتظهر أهمية الإدارة التربوية في توفير بيئة تعليمية تساعد الطالب على اكتشاف قدراته واختيار المسار الذي يتناسب مع طموحه.

ومن هنا فإن مسؤولية الإدارة العامة لا تقتصر على إصدار التعليمات وتنظيم الامتحانات أو متابعة المدارس، بل تمتد إلى متابعة المناهج، واحتياجات الطلبة والمدرسين، ومستوى الأداء، والتنسيق مع المؤسسات التعليمية الأخرى.

وتزداد أهمية هذا الدور مع التغيرات المتسارعة في متطلبات التعليم وسوق العمل، الأمر الذي يجعل تطوير التعليم الإعدادي والمناهج التعليمية عملية مستمرة وليست مشروعاً مؤقتاً.

التعليم المهني.. من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل

أما التعليم المهني، فيمثل أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة الفجوة بين التعليم واحتياجات سوق العمل.

فالطالب الذي يختار المسار المهني لا ينبغي أن ينظر إلى خياره على أنه مسار أقل أهمية من التعليم الأكاديمي، بل باعتباره طريقاً لإعداد كوادر تمتلك مهارات عملية يحتاج إليها الاقتصاد والمجتمع.

وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات التربوية في تطوير المدارس والمختبرات والورش التدريبية، وتحديث التخصصات بما ينسجم مع التطورات التقنية، فضلاً عن تعزيز العلاقة بين التعليم المهني والقطاع الخاص وسوق العمل.

خطوة باتجاه ربط التربية بالتعليم العالي

ومن المؤشرات اللافتة في هذا المجال مشاركة أحمد گَل في اجتماع تحضيري عُقد في جامعة السليمانية في 11 أيار/مايو 2025، إلى جانب مسؤولين من وزارة التربية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، للتحضير لورشة تهدف إلى تنظيم نقاط التعاون المشتركة بين وزارة التربية وكليات التربية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية تربوية؛ لأن إعداد المدرس لا يبدأ عند دخوله الصف، وإنما يرتبط أيضاً بالتنسيق بين المؤسسات التي تُعد الكوادر التعليمية والمؤسسات التي تستقبلها وتوظفها في المدارس.

الإدارة التربوية أمام تحديات كبيرة

لا يمكن الحديث عن تطوير التعليم الإعدادي والمهني بمعزل عن التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية بصورة عامة، ومنها تحديث المناهج، وتطوير قدرات المدرسين، وتوفير البنية التحتية المناسبة، وتحسين البيئة المدرسية، ومواكبة التكنولوجيا.

كما أن التجارب السابقة في إقليم كوردستان أظهرت أن التعليم تأثر في مراحل مختلفة بضغوط مرتبطة بزيادة أعداد الطلبة ونقص الموارد والكادر والمساحات المدرسية، وهي قضايا وثقتها تقارير بحثية سابقة عن واقع التعليم في الإقليم. ⁠

ولهذا فإن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى رؤية متكاملة تبدأ من الطالب، وتمر بالمدرس والمدرسة والإدارة والمناهج، وتنتهي بقياس النتائج على أرض الواقع.

أحمد گَل.. مسؤولية تتجاوز المكتب

المهمة أمام أي مدير عام في قطاع التربية ليست سهلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمرحلة عمرية حساسة وبأعداد كبيرة من الطلبة والمدارس والمدرسين.

والنجاح الإداري في هذا المجال يرتبط بقدرة المسؤول على الاستماع إلى الميدان التربوي، ومتابعة احتياجات المدارس، وفتح قنوات التواصل مع المديريات والمعلمين، وتحويل الخطط والتعليمات إلى نتائج ملموسة.

كما أن التعليم المهني يحتاج إلى رؤية خاصة؛ لأن نجاحه لا يقاس فقط بعدد المدارس أو الطلبة، بل بمدى امتلاك الخريج مهارة حقيقية تمكنه من مواصلة تعليمه أو دخول سوق العمل.

التعليم ليس امتحاناً فقط

التعليم الإعدادي والمهني أكبر من أن يُختزل في نتائج الامتحانات.

فالمدرسة مطالبة ببناء شخصية الطالب، وتنمية مهاراته، وتعزيز ثقته بنفسه، وإعداده ليكون عضواً فاعلاً في المجتمع.

ومن هنا فإن مسؤولية الإدارة التربوية تتطلب الجمع بين الانضباط الإداري والرؤية التعليمية، وبين متابعة التفاصيل اليومية والنظر إلى مستقبل الأجيال.

الخلاصة

إن تجربة الإدارة العامة للدراسة الإعدادية والمهنية في إقليم كوردستان تضع أمام المسؤولين تحدياً أساسياً: كيف ننتقل من إدارة التعليم إلى تطوير التعليم؟

ويأتي دور أحمد گَل في هذا الإطار ضمن منظومة مؤسساتية أوسع، تتطلب تعاون وزارة التربية مع وزارة التعليم العالي والجامعات والمديريات والمدارس والهيئات التعليمية.

فالاستثمار الحقيقي لا يبدأ من الأبنية وحدها، ولا من المناهج وحدها، بل من الطالب والمعلم والمهارة والمعرفة.

وإذا نجحت المؤسسات التربوية في بناء تعليم إعدادي قوي وتعليم مهني حديث ومتصل بحاجات المجتمع وسوق العمل، فإنها لا تصنع خريجاً فحسب، وإنما تسهم في صناعة جيل قادر على المشاركة في بناء اقتصاد ومجتمع أكثر تطوراً.

أحمد گَل.. مسؤولية تربوية في ميدان لا تُقاس نتائجه بيوم أو عام دراسي، وإنما بما تتركه المدرسة في عقل الطالب ومستقبله .

قد يعجبك ايضا
∧