د. نوري جاسم
في زمنٍ تتسارع فيه المعرفة، وتتبدل فيه وظائف الجامعة وأدوارها، يبقى الأستاذ الجامعي الحقيقي أكبر من مجرد صاحب اختصاص؛ فهو الذي يحوّل العلم إلى أثر، والمعرفة إلى مسؤولية، والجامعة من فضاءٍ للتدريس إلى مؤسسةٍ لصناعة الوعي وبناء المستقبل. ومن بين الأسماء الأكاديمية التي استطاعت أن تجمع بين البحث القانوني والعمل الجامعي والإدارة المؤسسية، يبرز الأستاذ الدكتور وليد محمد رضا السيد مصطفى الشناوي، أستاذ القانون العام وعميد كلية الحقوق بجامعة المنصورة، بوصفه نموذجًا للأستاذ الذي لم يتوقف عند حدود قاعة الدرس، بل امتد اهتمامه إلى الأسئلة الكبرى التي يطرحها القانون على المؤسسات والمجتمع والإنسان. فالقانون، في جوهره، ليس مجموعة من النصوص التي تحفظ في الكتب، وإنما منظومة متكاملة لتنظيم العمل، وحماية الحقوق، وتحقيق التوازن بين مقتضيات المصلحة العامة وحريات الأفراد. ومن هنا يمكن قراءة جانب مهم من المسار العلمي للدكتور الشناوي؛ إذ تكشف أعماله البحثية عن اهتمام واضح بالقانون الدستوري والإداري، وبالقضايا التي تقع عند نقطة التماس بين سلطة الدولة وضمانات الأفراد. في هذا السياق، تناول في أبحاثه موضوعات مثل الرقابة القضائية على التناسب، والأمن القانوني، ودور المحاكم الدستورية كمشرع إيجابي، ودور مقدمات الدساتير في التفسير الدستوري، والحماية الدستورية للحقوق البيئية، والحماية الدستورية لحقوق دافعي الضرائب، فضلًا عن دراسات أحدث تناولت الحماية القضائية الفعالة، والعمل الأهلي، وحماية المستثمرين الأجانب. وهذه الموضوعات، على اختلافها، تلتقي عند سؤال واحد تقريبًا: كيف يمكن للقانون أن يحافظ على التوازن بين سلطة الدولة وحقوق الإنسان، وبين مقتضيات التنظيم ومتطلبات الحرية، وبين النص القانوني وحاجات المجتمع المتغيرة؟
ولعل هذا ما يمنح تجربته البحثية خصوصيتها؛ فالباحث في القانون العام لا يتعامل مع النص باعتباره نهاية التفكير، وإنما يجعله نقطة بداية لسؤال أوسع يتعلق بوظيفة القانون وغاية الدولة وحدود السلطة. لكن قيمة الأستاذ الجامعي لا تقاس بالبحث العلمي وحده. فحين ينتقل الأكاديمي إلى موقع المسؤولية الإدارية، يصبح أمام اختبار آخر: هل يستطيع أن يحوّل الأفكار التي يدرسها إلى ممارسة مؤسسية؟ وهنا تبرز تجربة الدكتور وليد الشناوي في عمادة كلية الحقوق بجامعة المنصورة، حيث ارتبطت المرحلة الأخيرة من مسيرته الإدارية بمحاولة دفع الكلية نحو مزيد من التطوير المؤسسي والجودة الأكاديمية.
وكان من أبرز محطات هذه التجربة حصول كلية الحقوق بجامعة المنصورة على الاعتماد المؤسسي من الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد في سبتمبر 2026، لتصبح أول كلية حقوق حكومية مصرية تحصل على هذا الاعتماد. وقد أكدت جامعة المنصورة أن الإنجاز جاء بعد استيفاء معايير الاعتماد وتطوير نظم العمل والممارسات الأكاديمية والإدارية، فيما شدد الدكتور الشناوي على أن الاعتماد ثمرة عمل شاركت فيه مختلف قطاعات الكلية، وأنه يحمّل المؤسسة مسؤولية مواصلة التطوير والحفاظ على ما تحقق. وهنا تحديدًا تتجاوز دلالة الاعتماد مجرد الحصول على شهادة أو اجتياز مجموعة من المعايير؛ إذ إن الجودة الجامعية الحقيقية لا تختصر في وثيقة، وإنما تبدأ حين تصبح الجودة ثقافةً يومية في التعليم والبحث والإدارة وخدمة المجتمع. ومن هذه الزاوية، يصبح الإنجاز المؤسسي أكثر أهمية عندما يُقرأ باعتباره عملًا جماعيًا. فالعميد يستطيع أن يقود ويوجّه، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع مؤسسة ناجحة؛ فالإنجاز الجامعي الحقيقي هو حصيلة جهود الأساتذة والباحثين والموظفين والطلبة وكل من يعمل داخل المؤسسة. ولذلك فإن الحديث عن وليد الشناوي لا ينبغي أن يتحول إلى تعداد للمناصب والألقاب، بل إلى قراءة في مفهوم الأستاذ الذي يترك أثرًا في المكان الذي يعمل فيه.
فالأستاذ الذي يكتب عن الأمن القانوني يدرك أن استقرار القواعد ضرورة لبناء الثقة. والأستاذ الذي يبحث في التناسب يدرك أن سلطة الدولة، مهما كانت ضرورتها، ليست بلا حدود. والذي يدرس الحماية القضائية الفعالة يدرك أن الحق لا تكتمل قيمته بمجرد النص عليه، وإنما يحتاج إلى آليات تحميه وتجعله قابلًا للممارسة. وهكذا تتقاطع أفكار الباحث مع مسؤولية الإداري؛ فالقانون الذي يُدرّس في الكتب ينبغي أن يجد انعكاسه في المؤسسة، والجامعة التي تدرّس قيم الجودة ينبغي أن تجعل الجودة جزءًا من ممارستها، والأستاذ الذي يتحدث عن دولة المؤسسات يستطيع أن يجعل من المؤسسة الجامعية نموذجًا مصغرًا لهذه الفكرة. وفي المشهد الأكاديمي العربي، تكتسب مثل هذه التجارب أهمية خاصة؛ لأن الجامعات لم تعد مطالبة فقط بمنح الشهادات، بل أصبحت مطالبة بإنتاج المعرفة، وتطوير البحث العلمي، وإعداد الإنسان القادر على التعامل مع عالم تتغير فيه وظائف القانون كما تتغير أدوات الدولة والمجتمع. ومن هنا تأتي أهمية التواصل بين التجارب الجامعية العربية. فالقانون، وإن اختلفت تشريعاته من دولة إلى أخرى، يحمل في كثير من قضاياه أسئلة مشتركة: حماية الحقوق، استقلال القضاء، تنظيم السلطة، الأمن القانوني، جودة التشريع، علاقة الدولة بالمجتمع، والتوفيق بين المصلحة العامة والحريات.
وفي هذا الفضاء يمكن النظر إلى التجربة العلمية للدكتور وليد الشناوي باعتبارها جزءًا من حركة أوسع في الفكر القانوني العربي تسعى إلى جعل الدراسات القانونية أكثر اتصالًا بالتحولات التي يشهدها العالم. وإن سيرة الأستاذ الجامعي لا تُكتب فقط بما حصل عليه من مناصب، وإنما بما تركه من أفكار، وما أسهم في بنائه من مؤسسات، وما تركه في نفوس طلابه وباحثيه من أثر. وقد يكون أجمل ما يمكن أن يقال عن الأستاذ الذي يجمع بين العلم والإدارة أن نجاحه لا يُقاس فقط بما أنجزه في زمن وجوده في موقع المسؤولية، وإنما بما يستمر بعده. فالمبنى قد يتغير، والمنصب ينتهي، والسنوات تمضي، لكن المعرفة التي زرعها الأستاذ في طلابه، والفكرة التي أضافها إلى تخصصه، والمؤسسة التي أسهم في تطويرها، تبقى شاهدة على معنى أعمق للأستاذ الجامعي.
ولهذا فإن الحديث عن وليد الشناوي هو في جانب منه حديث عن فكرة الأستاذ القانوني: ذلك الذي لا يرى القانون نصوصًا جامدة، ولا يرى الجامعة مكانًا للتدريس فقط، ولا يرى الإدارة امتيازًا، بل يرى في كل ذلك مسؤولية. وفي النهاية، ربما لا تحتاج سيرة العقل القانوني إلى كثير من العبارات الكبيرة؛ يكفي أن نقرأ أثره في علمه، وفي طلابه، وفي مؤسسته. فحين يتحول العلم إلى أثر، يصبح الأستاذ أكثر من أستاذ؛ وحين تتحول الجامعة إلى مشروعٍ للجودة والمعرفة، تصبح الإدارة أكثر من منصب؛ وحين يبقى القانون مرتبطًا بالإنسان، يصبح التعليم القانوني رسالة تتجاوز حدود القاعات والمدرجات. وهنا تكمن قيمة السيرة التي تستحق أن تُروى: سيرة عقلٍ قانوني جعل من المعرفة مسؤولية، ومن الجامعة مساحةً للأثر، ومن القانون طريقًا إلى بناء الإنسان والمؤسسة.