جريمة بيئية، بأي حق تنتزع صفة الأراضي عن العقود (117-35-25) في حزام بغداد وتحول الى أراض سكنية

د. كريم نوري عبد الله الدليمي

يقول الكاتب: (الأرض الزراعية أمانة، وحقوق المواطنين ليست مجالاً للتجاوز أو الاجتهاد، فلا يجوز أن تتحول القرارات الإدارية الى وسيلة لظلم من يملك حقاً مشروعاً، ولا أن يكون تغيير صفة الأرض سبباً في ضياع حقوق أصحابها: فالعدل أساس الملك، ومن اتقى الظلم في قراراته حفظ حق الناس وحفظ مستقبل الأرض معاً):
قانون الإصلاح الزراعي رقم (30 لسنة 1958)، هو تشريع عراقي صدر بعد ثورة 14 تموز 1958، بهدف انهاء النظام الاقطاعي وتوزيع الأراضي على (الفلاحين):
-الأهداف الأساسية للقانون: (الغاء الاقطاع –تحرير الفلاح: رفع الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية لكبار الملاكين عن الفلاحين:
-تطوير الإنتاج: تنظيم علاقات جديدة بين العمل والملكية في الريف لتحسين الإنتاج الزراعي:
أن الحديث عن تحويل جنس هذه الأراضي لا ينبغي أن ينظر اليه باعتباره مجرد أجراء أداري أو تغيير في صنف العقار، فالقضية في جوهرها، تتصل بمستقبل البيئة الزراعية لبغداد، وبالهوية العمرانية للمدينة، وبحق الأجيال القادمة في أرض منتجة وبيئة متوازنة، فهذه الأراضي الواقعة ضمن (حزام بغداد الزراعي ) لم تكن فراغاً جغرافياً ينتظر التوسع العمراني؛ بل كانت أرضاً مأهوله ومزروعة، ارتبط بها الانسان العراقي منذ أزمنة بعيدة، واستثمرها في الزراعة والإنتاج وتوفير الغذاء ، ومع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق، ولا سيما بعد صدور (قانون الإصلاح الزراعي): انتقلت ملكيات وأوضاع قانونية كثيرة من مرحلة الاقطاع الى مرحلة جديدة هدفت الى إعادة تنظيم العلاقة بين الفلاح والأرض ، وتعزيز دور الزراعة والإنتاج الزراعي، ومع مرور العقود، أصبحت مناطق حزام بغداد الزراعي جزءاً مهماً من المشهد الزراعي المحيط بالعاصمة بغداد، بما توفره من محاصيل ومنتجات زراعية، فضلاً عن دورها في الحد من التمدد العمراني العشوائي والحفاظ على المساحات الخضراء:
وهنا السؤال الذي يستحق إجابة واضحة من الجهات المعنية؛
(بأي حق تتحول الأرض التي كانت وما زالت زراعية، والتي حافظ عليها أهلها وأعمروها واستصلحوها وسكنوها وأصبحت سلة بغداد الغذائية والتي تنتج الاف الاطنان من الحنطة والشعير والتمور والحمضيات، الى ارض سكنية وما هي الدراسات البيئية والعمرانية والزراعية التي سبقت اتخاذ مثل هذه القرارات المجحفة ضد الفلاحين):
أن تحويل الأراضي الزراعية المحيطة ببغداد الى مجمعات سكنية بصورة متتابعة قد يعني عملياً تقليص الرقعة الخضراء المحيطة بالعاصمة، وزيادة الضغط على البنى التحتية ، والمياه، وشبكات الصرف، والطرق، والخدمات العامة، كما أن خسارة الأرض الزراعية ليست خسارة لمساحة من التراب فحسب، بل قد تكون خسارة لمصدر انتاج غذائي، ولتوازن بيئي ، ولحزام أخضر تحتاجه بغداد في مواجهة التلوث وارتفاع درجات الحرارة والتوسع العمراني، ولا يمكن معالجة ازمة السكن بمجرد التوسع الافقي على حساب الأراضي الزراعية، فالحاجة الى السكن حقيقية ومشروعة ، لكن معالجتها ينبغي أن تتم ضمن رؤية عمرانية متكاملة تحافظ، في الوقت نفسه على الأراضي الزراعية المنتجة وتحمي البيئة وتضمن حقوق السكان.
أن العقود (117 – 35- 25)، ليست مجرد ارقام في سجلات العقارات
بالنسبة الى أهلها، انها أراض ارتبطت بها عوائل وقرى ومزارع وذاكره اجتماعية واقتصادية ممتدة لسنين طويلة ما قبل الدولة العراقية باسم الملكية اذ كانت هذه العوائل يعملون لدى الاقطاعيين بصفة فلاح الى بزوق نور الدولة الحديثة العراقية وبقي الوضع على ما هو عليه الى صدور قرار وقانون الإصلاح الزراعي وتوزيعها على الفلاحين نفسهم الذين كانوا يزرعونها قبل مئات السنين في زمن الدولة العثمانية:
فاذا كانت الدولة تريد معالجة ازمة السكن فالسؤال ليس: كيف نحول المزيد من الأراضي الزراعية الى سكنية؟ بل السؤال الأهم هو: كيف نوفر سكن للمواطن من دون ان نخسر ما تبقى من سلة بغداد الزراعية؟
ان بغداد تحتاج الى السكن، نعم، لكنها تحتاج ايضاً الى الزراعة، والى المياه، والى الهواء النقي، والى المساحات الخضراء، ولايجوز ان يكون الحل لمشكلة عمرانية على حساب مشكلة بيئية وغذائية اكبر، ولهذا فأن الدعوة اليوم ليست ضد حق المواطن في السكن، ولا ضد التطور العمراني ، وانما هي دعوة الى التوازن بين حق السكن وحق المجتمع في بيئة سليمة وأرض زراعية منتجة، فالأرض الزراعية اذا تحولت الى كتلة اسمنتية يصعب استعادتها الى ما كانت عليه، اما التخطيط السليم فيمكنه ان يوفر السكن ويحافظ في الوقت ذاته على الأراضي التي تشكل رئة بغداد وسلتها الزراعية:
كما أن السؤال الذي يجب ان يبقى مطروحاً امام الجهات المسؤولة والرأي العام هو: بأي حق نغبر صفة هذه الأراضي؟ ومن يحمي ما تبقى من حزام بغداد الزراعي، ومن يضمن الا تدفع الأجيال القادمة ثمن قرارات عمرانية تتخذ اليوم؟
انها قضية تتجاوز حدود العقار انها قضية بيئية وزراعية، وغذاء ، وتاريخ ومستقبل مدينة اسمها بغداد:
وفي الختام:
أن ما يجري في موضوع أراضي العقود (117 و35 و25) ضمن حزام بغداد لا ينبغي ان ينظر اليه باعتباره مجرد تغيير في استعمالات الأراضي، بل كقضية تمس البيئة والحق العام ومستقبل التخطيط الحضري للعاصمة، فأنتزاع صفة الأراضي وتحويلها من مساحات ذات أهمية بيئية وزراعية الى أراض سكنية يثير تساؤلات جوهرية: بأي حق تغير صفة هذه الأراضي؟ ومن يتحمل مسؤولية اثار هذا التحول على البيئة وسكان بغداد؟
ان حماية حزام بغداد ليست ترفاً، بل مسؤولية قانونية وبيئية واخلاقية تجاه الأجيال القادمة: وعلى الدولة ان تعي خطورة موضوع تحويل جنس هذه الأراضي الى سكني؛ ويجب على الدولة ان تعمل على التوسع في المناطق الصحراوية والعمل على إيصال المياه والكهرباء والخدمات العامة الى المناطق البعيدة واحيائها وتوزيع قطع سكنية: وذلك بتغير مجرى نهري دجلة والفرات الى تلك المناطق وأنعاشها بالحياة، والعمل على تخطيط عاصمة إدارية وسكنية بنفس الوقت ونسميها بغداد المستقبل بغداد الجديد او العاصمة الإدارية وتوزيع القطع السكنية فيها على المواطنين بدون ان نغير بملامح العاصمة بغداد الحبيبة:

قد يعجبك ايضا
∧